#الراتب_ما_يكفي_الحاجة: شأن سعودي

مريم الخاطر:

لم يكن وسم #الراتب_مايكفي_الحاجة الذي صعد إلى أعلى نسب التداول على “تويتر” عالميا مطلع 2018، بعد رفع أسعار الوقود والطاقة وفرض الضريبة المضافة في السعودية، إلا شأنا سعوديا، ولم تكن تداولاته ذريعةً لتخوين الشعب السعودي، أو اتهام غيره جزافا بإسقاطات عارية عن الصحة.
حمل الوسم صفة التاريخي، كونه أحد أشهر وأقدم الوسوم التي شهدت تفاعلاً كبيرا في تاريخ “تويتر”، كما ألقى الضوء على أهمية “تويتر” منصة سعوديةشعبية، بديلة بامتيار لممارسة الشعب حرية الرأي والتعبير، وأثره على المطالبات الإصلاحية التي تعتبر أقل الحقوق بالنسبة للشعوب، الحقوق التي تؤخذ من دون أن تمنح وفقا لمعطيات الثورة الرقمية الاجتماعية التي تتميز بأنها شعبية، وليست حكومية.
ظهر الهاشتاغ، للوهلة الأولى، بداية شهر رمضان، الموافق 5 أغسطس/ آب 2013، وليدا تلقائيا من دون ترتيب مسبق، أو خطّة مبيتة من الشعب السعودي، لأنه لامس الحاجة دون سواها، كما صرح صاحبها الشاب الثلاثيني الذي كان يعمل في القطاع الخاص، براتبٍ لا يتجاوز ثلاثة آلاف ريال “إن فكرة الهاشتاغ ولدت من رحم المعاناة التي واجهتها، ولم تكن مبنيةً على خطط معينة، وهذا ما جعل المجتمع يتفاعل معها”. وقتها، لم يكن يتوقع أن يتحول إلى هذه الحملة الضخمة، ليصل إلى الترند العالمي على أكثرالمواقع شعبية في السعودية، إذ رصد في الساعات الأربع وعشرين الأولى من إطلاقه مليون ونصف المليون تغريدة، والتي وصلت خلال الأسبوعين الأولين إلى 17 مليون تغريدة، ثم حقق أرقاماً قياسية، فاعتبرته الصحافة السعودية وقتها أول وسم يتفاعل فيه السعوديون منذ استخدام “تويتر” بشكل عام من مواطنين ودعاة وإعلاميين ورياضيين، مطالبين بالنظر في الحالة المعيشية للمجتمع السعودي، لسد احتياجاته الأساسية. إذ بلغ متوسط عدد التغريدات مليونا و214 ألف تغريدة يومياً، بواقع خمسين ألفا وستمائة تغريدة في الساعة. حيث أنشأ المواطنون السعوديون له صفحةً خاصةً تحت حساب @Arraateb جاء في تصديرها: “هذا الحساب الأصلي لحملة #الراتب_ما_يكفي_الحاجة نرجو المشاركة فيه عبر الريتويت والمشاركة في الهاشتاغ”.
الحاجة نفسها أيضا، لا غيرها، هي التي جعلت هذا الوسم يصعد للمرات، الثانية والثالثة

والرابعة، على الترند العالمي، وليس السعودي فحسب، في أعوام 2015 و2016 و2018. بيد أن صعوده أخيرا منذ أسبوع جاء تزامنا مع رفع الحكومة أسعار الوقود والكهرباء، وفرض الضريبة المضافة، في مفارقةٍ أبداها السعوديون على “تويتر”، في نقد التقشف، مع التلميح ببنود صرف حكومتهم بوصفها “مملكة النفط”، وإنفاقها الباذخ على الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، ورقصة السيف وهيئة الترفيه وشراء القصور، حسب وصفهم.
الجديد في أمر الهاشتاغ ليس تعرّض المشاركين فيه إلى التخوين أو المساءلة، بل استخدام أساليب تقنية جديدة، يزعم أنها تتبع الحكومة المتهمة بالضلوع، بحذف الوسم من الترند العالمي، الأمر الذي جعل الشعب السعودي يواجه ذلك برد فعل أقوى، من خلال التلميح بوعيهم بمصدر الحذف، وتكرار التغريد على الوسم نفسه بترقيم متعدّد، إلى أن وصل إلى #الراتب_ما_يكفي الحاجة_7 وتصعيده للترند العالمي، في تحدّ للكتائب الإلكترونية الرسمية المرتدّة على “تويتر” الشعبي.
كما اتّهم الناشطون الجهات الرسمية أيضا فوق الحذف بتبني حملةٍ إعلامية، أو حملة وسوم مضادة موالية للحكومة، أوصلت هاشتاغا تضليليا #الراتب_يكفي_الحاجة_7 إلى الترند العالمي، شارك فيها مسؤولون رسميون ومشاهير منصات التواصل، من فئة “سلامتك يا راسي” أو من فئة “لاعقي الأحذية” لتصعيدها إلى الترند، ما أذكى تصعيد الشعب السعودي لوسوم أخرى رديفة، مثل : #اسأل_وزير_المالية، ردّا على مقابلته التلفزيونية ونقدهم طرحه و#حملة_تبليك_المشاهير، والدعوة إلى حذف متابعتهم للسبب نفسه، حيث اتهموا بالتطبيل للوضع الاجتماعي المتدني لرواتب عامة الشعب، بنشر فيديوهات سناب ويويتوب وتويتر نظير تلقيهم مقابل ماديا بغرض حرف بوصلة الرأي العام، حين أنهم متهمون بأنهم يقتاتون على أجور الاعلانات أو التطبيل للحكومة على حساب تسفيه حاجات المواطن الأساسية.
لم يُقحم الوسم، منذ إطلاقه على الشأن السياسي الداخلي للمملكة، من الخارج، فالمطالب ناقشها مجلس الشورى السعودي في جلسته 51 ديسمبر/ كانون الأول 2014، إذ اتفق الأعضاء على أن الموظف الحكومي محبط بسبب ضعف دخله الشهري، وارتفاع تكلفة المعيشة، فحذرت عضو من الاحتقان الشعبي، مستشهدة بهذا الوسم الشهير. وأيد الأعضاء دعوتها إلى زيادة الرواتب التي قالوا إنها انخفضت فعلياً بمقدار 40% خلال الأعوام العشرة الماضية، نتيجة ارتفاع المعيشة”، ودعوا إما إلى تعديل سلم الرواتب بشكل دوري، أو بطرح بدل تضخم في حال رفض التعديل.
ومقياسا للواقع، يعدّ “تويتر”، كما عبر عنه أحد المحامين السعوديين: “برلمان الشعب السعودي، ولكنه ليس برلمانا شبيها باي برلمان موجود في المنطقة، بل برلمان عام حقيقي، تشارك فيه كافة الأطياف السياسية بحرية تامة”. هذا الحديث بالطبع قبل أن يشهد “تويتر” بروز الثورات الحكومية المضادة.
ولكن التربص بمطالبات الشعب الإصلاحية الداخليه العفوية في المملكة، بإلباسها الخلاف

الخليجي، حيلةً مكشوفة، واستخفاف بالوعي الشعبي، إذ ليست الأوضاع الاقتصادية الداخلية السعودية وليدة الصراعات السياسية الخليجية، كما يردّها بعض المستشارين، أخيرا، بإقحام ما لا يصح إقحامه فيه، لا منطقيا ولا تاريخيا، ولا تعدّ ذريعةً يستخدمها النافذون سياسيا لقمع الرأي، أو لاستخدام الجيوش الإلكترونية المرتدة ضد شعوبهم. فالمتتبّع لردة الفعل على هذا الوسم سيجد أنه لم يكن وليد هذا العام، إذ أنه، منذ انطلاقه عام 2013، انبرت أصوات ممالئة للحكومة، لتخوين الشعب السعودي، لمجرد طلبه زيادةً في الرواتب.
وقتها، كان ملفتا للنظر، كما ذكرت الصحف السعودية عام 2013، الرد الرسمي لأمين عام مجلس الوزراء السعودي وقتها: أن هاشتاغ “الراتب ما يكفي الحاجة” واجهة ل”الفتنة” يقودها أشخاصٌ، يغيظهم أن تعيش المملكة بأمن واستقرار، وأنه “حسد من مجهولين “، كما ردّ اقتصاديون سعوديون عكسيا، بما يغذّي توجه الحكومة بأن “زيادة الرواتب ستؤدي إلى تفشي ظاهرة غلاء الأسعار، وإلى ارتفاع معدلات البطالة”. البطالة التي صعّدها السعوديون للترند العالمي ردّا ساخرا على أحد الوزراء في 2015 بهشاتاغ، حمل نصّ مقولته ذاتها #البطالة_موجودة_منذ_زمن_النبوة.
ما اشبه الليلة بالبارحة! فوسم #الراتب_ما_يكفي_الحاجة، في ذاته ونشأته ونقده، شأن سعودي عفوي خالص، لم يحملّه الشعب السعودي الكريم أي بُعد سياسي، لكنه اليوم، بالمعالجة الحكومية والحملة المضادة، أصبح أكثر تقييدا وتعقيدا، خصوصا بعد أن غدا “تويتر” مسيّسا وأسهما تجارية يتحكم في وسومه أصحاب المال والسلطة والنفوذ، سواء كان النفوذ جيوسياسيا أو سياسيا أو اقتصاديا، وخصوصا بعد تحول إدارة أسهم الأمير الوليد بن طلال في “تويتر”، بعد سجنه، إلى ملكية المجهول المعلوم، وتحوّل استخدام ومعالجة الحسابات المستعارة والمزوّرة واللجان الإلكترونية إلى كتائب ملكيّة، وتحوّل الوسوم إلى حروب مضادّة مرتدّة على الشعوب، وتحول اتجاهات التخوين والاتهام فيه حسب الزمن والحاجة والخطّة والنزعة السياسية، بل حسب النزوع السياسي.
Twitter: @medad_alqalam

الخبر اليمني/أقلام

للمشاركة :