أبجدية

على عتبات الريح محمود درويش في “لماذا تركت الحصان وحيدا؟”

الخبر اليمني:

        د . كريم عبيد:

الطفولة .. الذاكرة .. الشعر :

ها هو محمود درويش يستعيد ذاته ..
يستعيد ما تركته الريح على عتبات العمر ..
يستعيد طفولة ما كان لها أن تنمو إلا في الشعر ..
وتستيقظ على حدود الكلمة ..
طفولة ما كان له أن يمحوها من ذاكرته إلا لتنتج القصيدة ..
القصيدة التي تبدأ من الذات لتمضي إلى نهايات الوعي ..
الوعي الذي يجعل من التفاصيل الصغيرة , تفاصيل جوهرية في مشهد
الشعر .. الشعر الذي ما فتئ يبحث عن أسئلة جديدة , تمكّنه من تجاوز كلّ محطة يبلغها, بالتطلع الدائب إلى محطة أخرى .. وهكذا ..
محمود درويش في / لماذا تركت الحصان وحيداً 1995 / يلقي بنفسه عميقاً في السيرة , بكل ما تختزنه من ذاتية , غير أن هذه الذاتية لا تنحصر في حدود الذات الشاعرة , بل تبدع ذاتاً جمعية لا تمحو الأولى , بل توازيها في بحثها عن تفاصيل المكان الذي أنتجها ..
إن محمود درويش يستعيد ذاكرته النـزيفة , منذ عام 1948 .. حيث الخروج من الجليل , وسقوط فلسطين وبداية المنفى , وتشظِّي المكان ..
إن الشعر يعود ليقف على ذاكرته الأولى , ويستشف ما تناثر منها , ليعيد احتمالات الكتابة والممارسة الإبداعية .. إنها صياغة ملحمية جديدة
وفريدة , يتجاذبها قطبان عنيدان :
– الذات المفردة التي أنتجها المكان الجمعي / الملحمي / فلسطين , لكنها استطاعت في مراحل مختلفة , أن تكثّف هذا المكان بكثافة الروح , لينقلب إلى ما يمكن تسميته بـ : المكان / الذات ..
– الذات الشعرية الجمعية التي أنتجتْها الذات المفردة , وفق معطيات شديدة التعقيد , بالخروج من صياغة السيرة الفردية إلى صياغة السيرة الجمعية , دون التنازل عن الأولى لمصلحة الثانية , أو الابتعاد عن الثانية لمصلحة الأولى ..
ويبدو أن هذه العملية , تتمّ عبر استراتيجية محكمة , تتخذ شكلاً لولبياً ينطلق من نقطة واحدة , تتلاحم فيها كلا السيرتين , ولكن دون أن تنفي إحداهما الأخرى .. وبهذا تنفتح أولى قصائد المجموعة / أرى شبحي قادماً من بعيدْ / على الرؤيا , التي يختزنها شاعرٌ يضيئه المنفى على امتداد خمسة وعشرين عاماً ( 1970 – 1995 ) أي منذ خروجه من فلسطين , حتى زمن صدور هذه المجموعة .. كان الوطن يكبر خلالها ويتسع , ليصبح ظلاً حقيقياً لوطن آخر خلقتْه المنافي ..
في هذه القصيدة الافتتاحية يلقي درويش بنفسه , في خضمّ ذاكرة جمعيّة بقدر ما هي فردية , وفردية بقدر ما هي جمعية .. ويتحوّل في لحظة النـزف ليصبح موضوعه , حيث تتوحّد ذاته بموضوعها .. يقول :
” أطلّ كشرفة بيت على ما أريدْ .. ” ( 21 )
إنه شرفة بيت تطلّ على فضاء مفتوح على : الطفولة , الواقع , الاحتلال , الأساطير , اللغة , الذات … إلخ .. تطلّ على ذاكرة جمعيّة , لا يمكن له أن يكون بمنأى عنها :
” أطلّ على الأنبياء القدامى
وهم يصعدون حفاة إلى أورشليم
وأسأل : هل من نبيّ جديد
لهذا الزمان الجديدْ ؟
” … ”
أطلّ على لغتي بعد يومين . يكفي غيابٌ
قليل ليفتح أسخيليوس الباب للسلم
يكفي
خطاب قصير ليشعل أنطونيو الحرب
تكفي
يدُ امرأة في يدي
كي أعانق حرّيتي
وأن يبدأ المدّ والجزر في جسدي من جديدْ .. ” ( 22 )
إن هذه الإطلالة تفارق الرؤية لتدخل في الرؤيا,لتصبح بحثاً عن الذات
الغائبة , حيث يكون اكتشافها بداية الخلق الجديد ..
ويختتم قصيدته بأول باب يشرعه نحو الذات / النص / السيرة .. :
” أطلّ , كشرفة بيت , على ما أريدْ
أطلّ على شبحي
قادماً
من
بعيد … ” ( 23 )
إن عملية الانصهار بين الذات والموضوع , عند درويش , ليس بالمعنى الضيق للكلمة , بل بالمعنى الفلسفي العميق .. المعنى الذي يفكك نفسه باستمرار تجاه انصهارات أخرى .. أي انقلاب الذات لتصبح موضوعاً , والموضوع ذاتاً , في تشكيل لا نهائي للعبة المعنى ..
وهذا ما عبّر عنه درويش في مرحلة لاحقة من تجربته بقوله :
” إلى شاعر ٍ: كلما غاب عنك الغيابْ
تورّطت في عزلة الآلهة ْ
فكن ذاتَ موضوعك التائهة ْ
وموضوعَ ذاتكَ
كم حاضراً في الغيابْ .. ” ( 24 )
* *
قراءة النظام / ترتيب القصائد ..

لاشك أن البحث عن النظام الذي يحكم ترتيب قصائد / لماذا تركت الحصان وحيداً / يقودنا إلى القول : إن ظهور هذا الديوان دفعة واحدة , أي لم تنشر قصائده قبل صدروه أبداً , يعود إلى أن موضوع الكتاب محدد بدقة , السيرة بأوسع معانيها . لذلك , فإنّ له نظام محكم , يسير وفق خطة مدروسة , ومحكمة غاية الإحكام . فقصائده ليس قصائد مستقلة , بل هي جزء من تشكيل شعريّ , وسياق قوليّ , يضمّها جميعاً , بحيث تغدو وكأنها قطع الفسيفساء , التي لا تكتمل روعتها إلا في الإطار العام للوحة .. وهذا يكشف خفية , عن طبيعة المراجعة النقدية التي اعتمدها محمود درويش في هذا الديوان , فهو صادر عام 1995 , أي بعد ثلاث سنوات من ديوانه / أحد عشر كوكباً 1992 / ..
ووفق هذه الاستراتيجية , يأتي الديوان مقسّماً إلى افتتاحية و ستة أبواب , ينفتح كل منها على موضوعات , تتآلف فيما بينها , لتشكّل سيرة مفتوحة على كل احتمالات السؤال :
– الافتتاحية : وهي قصيدة / أرى شبحي قادماً من بعيد / : حيث تشكّل بياناً أولياً للدخول إلى مواقع مختلفة يريد الشاعر الوصول إليها : الطفولة ,
الشباب , الهجرة , الحبّ , الأسطورة , المكان … إلخ .
– الباب الأول / أيقونات من بلّور المكان / : ويتألف من ست
قصائد , ويشكل العنوان بدوره ناظماً كلياً لهذه القصائد الستة ..
حيث كلّ قصيدةٍ / أيقونةٍ , تصوّر مشهداً جزئياً في المشهد الكليّ لطفولة الشاعر , وهجرته من فلسطين , التي تتحوّل إلى رمز شفاف للمكان الذي يهبها صقالتها ووضوحها ..
وتتخذ هذه القصائد موقعها المؤسس في صياغة السيرة في هذه المجموعة , بدءاً من حدث الولادة الأولى :
” .. كان المكان معداً لمولده : تلّة ٌ
من رياحين أجداده تتلفت شرقاً وغرباً. وزيتونة
قرب زيتونة في المصاحف تعلي سطوح اللغة ْ ..
” … ”
آذار أرضٌ لليل السنونو , ولامرأة
تستعدّ لصرختها في البراري .. وتمتدّ في
شجر السنديان .
يُولَد الآن طفلٌ
وصرخته ,
في شقوق المكانْ ” ( 25 )
إن الارتباط بين ولادة الشاعر والمكان , كما يحدده , ارتباط أزليّ , إنه ارتباط الزمان بالمكان / آذار أرضٌ / .. هذا المكان الذي سيظلّ يلهم درويشَ شعرَه في كلّ ما يكتب ..
ويترسّخ تشبّثُ الشاعر بتفاصيل هذا المكان الذي يستحضره من ذاكرة بعيدة , غير أنها تسم الذاكرة القريبة بطابعها الحاد , فتأخذ دلالة المكان بعداً وجودياً , ينتفي إذا انتفت تفاصيل المكان الأليفة التي يمسك درويش شعرياً بها بقوة , كما في قصيدة / قرويّون من غير سوء / يقول :
” لم تكن للمكان مساميرُ أقوى من الزنـزلحتْ
عندما جاءت الشاحنات من البحر . كنَّا
نهيِّئ وجبة أبقارنا في حظائرها , ونرتِّب
أيامَنا في خزائن من شغلنا اليدويّ
ونخطب ودّ الحصان , ونومئ
للنجمة الشاردة ْ . ” ( 26 )
إن ضمير / الأنا / المتكلم المفرد الذي يستخدمه درويش في أول القصيدة , ينحرف إلى ضمير / النحن / المتكلم الجمع , مع امتداد القصيدة , بحيث تتماهى السيرة الفردية بذاكرة جمعية , ويصبح الحديث عن الأولى حديثاً عن الثانية , دون حدود فاصلة , إلا بما تريده ذاكرة الكتابة , التي تعتمل في نفس محمود درويش , في المحافظة على أنا الشاعر المبدعة ..
ولا يتوقف درويش في هذا الباب على حدود المكان الأليف , محدداً بزمن الطفولة الأولى , بل يضرب النص عمقاً في أرض هذا الواقع المسيّج بأزمنة مختلفة , تتداخل فيما بينها , كما في قصيدة / أبد الصبّار / حيث نجد :
– زمن حصار الفرنسيين : ” وهما يخرجان من السهل , حيث
أقام جنود بونابرت تلاً لرصد الظلال على سور عكّا القديم ” ( 27 )
– زمن الإنجليز : ” يا ابني تذكّر ! هنا صلب الإنجليز
أباك على شوك صبّارة ليلتين , / ولم يعترف أبداً ” ( 28 )
– زمن الأتراك : ” يا ابني تذكرْ : هنا وقع الإنكشاريّ
عن بغلة الحرب , فاصمد معي / لنعودْ ” ( 29 )
– زمن الاحتلال الإسرائيلي : ” كان جنود يهوشع بن نون يبنون
قلعتهم من حجارة بيتهما ” ( 30 )
وهنا تنفتح الدلالة على بعد تاريخيّ معروف وهو دخول يهوشع بن نون إلى دولة الكنعانيين القديمة في فلسطين , وبعد معاصر هو الاحتلال الإسرائيلي وإعلان الكيان الصهيوني 1948 .
– زمن المسيح : ” هنا مرّ سيدنا ذات يوم . هنا
جعل الماء خمراً . وقال كلاماً
عن الحبّ ” ( 31 )
– زمن الصليبيين : ” يا ابني تذكَّرْ غداً . وتذكرْ قلاعاً صليبيةً
قضمتْها حشائشُ نيسانَ بعد رحيل الجنود ” ( 32 )
إن حركة الزمن في هذه القصيدة يعطيها بعداً إنسانياً عاماً, لا يقف عند الزمن الظاهريّ للقصيدة , بل يقوم بحركة تراجعية , ليصل إلى أزمنة ضاربة في التاريخ .. ويأتي فعل الأمر / تذكّرْ / فعلاً تحريضياً للوقوف في الذاكرة , وليس على حدودها , ولا سيما في المحطات المفصلية من تاريخ هذا المكان .
وكأننا أمام شاعر جاهليّ يستوقف سامعه للوقوف على أطلال الأحبة وتذكّر ما كان , وما آل إليه الأمر ..
إن محمود درويش في استحضاره المذهل لجزئيات المكان , يستحضر معه وجداناً جمعياً مرتبطاً كلّ الارتباط بهذا المكان , ومن هنا جاءت عميلة كتابة السيرة لديه , تحمل طابعها المتميّز , الذي تصبح فيه الأنا حاملة للكل , ويصبح الكل صورة للأنا ..
– الباب الثاني / فضاء هابيل / : ويتألف من خمس قصائد , تكشف عمق الفجيعة لدى الشاعر , وتتسع دائرة المأساة , فيدرك غربته أمام الواقع الجديد, وأمل العودة , وانهيار الحلم :
” .. والأنبياء هناك أيضاً يعبرون
وينصتون لصوت إسماعيل ينشد : يا غريبُ
أنا الغريب , وأنت مثلي يا غريب الدار ,
عدْ … يا عود بالمفقود , واذبحني عليك
من الوريد إلى الوريد .. ” ( 33 )
إن فكرة القربان التي كان إسماعيل أحد أبطالها , يراها الشاعر تتجدد فيه , بوصفه رمزاً لكلّ فلسطيني مغرّب عن أرضه , بحيث أصبح الفلسطيني قرباناً لهذا العصر الجديد , ولكن دون أن يعلن المخلِّص خلاصَه , فالمفقود ما زال مفقوداً ..
وتمتدّ هذه الغربة الفاجعة , لتأخذ من أسطورة الغراب , الذي علـّم قابيل كيف يخفي جثة أخيه هابيل , حاملاً بنيوياً لها :
” .. أنت متـّهم بما فينا . وهذا أوّل
الدم من سلالتنا أمامك , فابتعدْ
عن دار قابيل الجديدةَ
مثلما ابتعد السرابُ
عن حبر ريشك يا غرابُ ” ( 34 )
ويعود درويش بذاكرته إلى أيام عودته , متسللاً إلى وطنه فلسطين , خلاصاً من غربة , ليدخل في غربة أقسى :
الوطن محتلّ , والقرية مدمّرة , وقد قامت عليها مستوطنة يهودية , والطفل الذي حمل بلاده في عينيه , ها هو الآن يبكيه , ويتفقـّد كلّ شيء فيه , فما زالت الذاكرة حاضرة , وكأنّ كلّ شيء يحدث الآن .. بحيث يتـّحد زمن الشعر بزمن الواقع .. وتأتي قصيدته / نـزهة الغرباء / لتقف على رحلة الضياع الجديدة :
” أعرف البيتَ من خفقان المناديل . أولى
الحمامات تبكي على كتفيّ . وتحت سماء ِ
الأناجيل يركض طفلٌ بلا سبب ٍ . يركض
الماء , والسرْوُ يركض , والريح تركض في
الريح , والأرض تركض في نفسها , قلتُ :
لا تسرعي في الخروج من البيت .. لا
شيءَ يمنع هذا المكان من الانتظار قليلاً
هنا , ريثما ترتدين قميص النهار , وتنتعلين
حذاء النهار ْ .. ” ( 35 )
فالعودة بلا معنى .. فكلّ شيء يركض في نفسه , دونما هدف واضح ..
والرحلة التي حملت الطفل إلى البعيد , محتْ الطريق خلفه , وغيّرتْ معالمَ الأشياء :
” لم يصلْ أحدٌ
ربّما أخطأ َ الغرباء الطريق
إلى نـزهة الغرباء ! ” ( 36 )
– الباب الثالث / فوضى على باب القيامة / : وتتألف من ست
قصائد , تتخذ من الأسطورة خيطاً خفيّاً يشدّ أطرافها جميعاً , غير أنّه لا يتمسّك بفكر الأسطورة , بل يعمد إلى التحوير , بل إلى الحوار الذي يخلق حيّزاً أكبر من الحريّة , وذلك لمصلحة القصيدة , ابنةِ الواقع , ومنارة الآتي , بحيث تصبح الأسطورة إحدى مكوّنات القصيدة بامتياز , حيث يزجّها الشاعر في الواقع مباشرة , ويعيد إنتاجها , وفق معطيات الشعر . وهذا ما يقدّم للشاعر :
1 – فرصة للخروج من محدودية الأسطورة في تفسير الظاهرة الكونية , وتعاليها على الواقع , ولا سيما في أحداثها , ونهاياتها ..
2 – انفتاحاً على واقعين متضاربين : واقع ٍ إلهيٍّ خارقٍ تقدّمه الأسطورة , وواقع إنساني , يحاول فيه هذا الكائن الضعيف , أن يتخلّص من كلّ سلطة تقمع وجوده وتسيّره إلى حلقة مفرغة ..
ومن هنا يتخذ محمود درويش من / جلجامش / الذي يمثل رمزاً للاتحاد بين الإلهيّ والإنساني , بكونه نصف إلهٍ , شكلاً من أشكال التحدّي للقدر الذي يمحو الإنسان أمام مصيره المحتوم .. يقول في قصيدة البئر :
” ورأيتُ أنّي قد سقطتُ
عليّ من سفر القوافلِ , قربَ أفعى . لم
أجدْ أحداً لأكْمِلَه سوى شبحي . رمتْني
الأرض خارج أرضها , واسمي يرنّ على خطايَ
كحذوة الفرس : اقتربْ … لأعود من هذا
الفراغ إليكَ يا جلجامشُ الأبديّ في اسمِكَ ! ..
كنْ أخي ! واذهبْ معي لنصيح بالبئر
القديمة … ربما امتلأت كأنثى السماء ,
وربما فاضت عن المعنى وعمّا سوف
يحدث في انتظار ولادتي من بئريَ الأولى ! ” ( 37 )
إنّ الخلود لا يتحقّق إلا بقدرة الإنسان على اختيار مصيره , ليخرج من
الفراغ , ويعود إلى / البئر , الرحم الأولى , النبع الأول , الحقيقة .
إنّ دلالة البئر في هذه القصيدة عميقة , بحيث استخدمها درويش , كما يبدو للدلالة على أمرين :
– العمق : فالامتداد يكون عمودياً , إلى المجهول الذي يهب الناس حياتهم وخيالهم , وذاكرةً تعود إلى البعيد البعيد ..
– الانعكاس : حيث تعكس البئر صورة الآخر الغائر فينا , الآخر الذي لا نراه إلا عندما نقف أمام مصائرنا وجهاً لوجه .
بينما يصعّدُ الشاعر صوته في قصيدة ( أطوار أنات ) , ليصبح نداء المخلوق لخالقه , نداء الضعيف لربّ يرفع عنه الشقاء , ويعيد إلى العالم وجهه الضاحك :
” لا تتأخّري في العالم السفليّ . عودي من هناكَ
إلى الطبيعة والطبائع يا أناتُ !
جفّتْ مياه البئر بعدكَ , جفّت الأغوارُ
والأنهار جفّتْ بعد موتكِ . والدموع
تبخّرتْ من جرّة الفخّار , وانكسر الهواءُ
من الجفاف كقطعة الخشب . انكسرنا
كالسياج
على غيابكِ . جفّت الرغباتُ فينا . والصلاةُ .. ” ( 38 )
أنات / عشتار , إلهة الخصب , إلهة الحبّ والتجدّد , تحافظ في القصيدة على هذا البعد الخلاّق . فبغيابها تغيب الحياة , وتعود بعودتها :
” لا تمكثي في العالم السفليِّ أكثر ! ربّما
هبطتْ إلهاتٌ جديداتٌ علينا من غيابكِ
وامتثَلْنا للسرابِ . وربّما وجد الرعاةُ
الماكرون إلهةً , قرب الهباء وصدّقتْها الكاهناتُ .. ” ( 39 )
أنات من حيث الدلالة تمثّل رمز الحقيقة والحياة , وغيابها يعني غيابهما , وتسلّط رموز الوهم على الكون : الإلهات الجديدات , الرعاة الماكرون , الكاهنات , وبالتالي ضياع الحقيقة , وإعلان عصر السراب ..
وعلى البعد الواقعي : تمثّل أنات الحقيقة الساطعة في الصراع العربي الصهيوني . وغيابها جعل رموز الزيف والتزوير الجدد / الصهاينة , يدّعون ما لا وجود له : تاريخاً مديداً على أرض كنعان ..
ومحمود درويش في القصيدة , يخُرج الأسطورة من مشهدية الموت
والتجدّد , إلى حالة يائسة , تدلّ على نوع من السقوط في شرك الواقع المنهار , واقع الغياب العربي عن ساحة الأحداث العالمية , وحضور الآخر العدوّ بكلّ قوة ووضوح .. وهذا هو حال أنات في القصيدة حيث تبتعد عن أرضها وتترك أهلها لترحل تحت اسم مستعار في بلاد غريبة .. يقول :
” وأناتُ تخلق نفسها
من نفسها
ولنفسها
وتطير خلف مراكب الإغريق ,
في اسم آخرَ ,
إمرأتين لن تتصالحا أبداً …
وأمّا الخيلُ
فلترقصْ طويلاً فوق هاويتين . لا
موتٌ هناك ولا حياةُ
لا أنا أحيا هنالك , أو أموتُ
ولا أناتُ
ولا أناتُ !” ( 40 )
إنّ وصول محمود درويش إلى هذه النتيجة , كان وراءه تاريخ من الهزائم العربية , والانكسارات المريرة على صعيد الوطن , والنفس ..
كان وراءه ضياع شعبٍ كامل , وتغريبه عن أرضه , وتشريده على دروب المنافي , دون أن يرتفع صوت حقيقيٌّ واحد , يعيد إلى هذا الشعب هويته , وهوية المكان الذي ينتمي إليه .. وهذه النتيجة أيضاً , هي ذاتها التي يصلها الشاعر في قصيدة ( مصرع العنقاء ) التي تمثّل وجهاً آخر للتجدّد والانتصار على الموت .. يقول :
( كنْ حبيبي بين حربين على المرآة –
قالتْ – لا أريد العودة الآن إلى
حِصْنِ أبي .. خذني إلى كرمكَ واجمعني
إلى أمّكَ , عطّرني بماء الحبق , انثرني
على آنية الفضة , مشّطني , وأَدخلني
إلى سجنِ اسمكَ , اقتلني من الحبّ ,
تزوّجني , وزوّجني التقاليد الزراعيّةَ ,
درّبني على الناي , واحرقني لكي أُولَدَ
كالعنقاء من ناري وناركْ ! ” ( 41 )
إن المتكلّم هنا يحمل بعداً دلالياً عميقاً .. فقد تكون الأرض الفلسطينية التي تشكّل النسيج الأول في شعر محمود درويش ..
فالحرب على المرآة : هي الحربُ على الواقع , والذهاب المشتهى سوف يكون إلى حالة من الحبّ العفويّ , وإلى روح الطبيعة .. أي : الخلاص من عالم وولادة عالم جديد .. وكأنها العنقاء التي تموت احتراقاً كلما وصلتْ إلى الذروة , لتعيد خلق نفسها من جديد وهكذا … ولكنّ محمود درويش يصلُ إلى نتيجة أكثر يأساً من سابقتها , حيث تسقط عنقاؤه دامية بيد الصيّاد :
” كان شيءٌ يشبه العنقاء
يبكي دامياً ,
قبل أن يسقط في الماء ,
على مقربةٍ من خيمةِ الصيّاد …
ما نفع انتظاري وانتظاركْ ؟ ” ( 42 )
إنّ محمود درويش , كما يبدو , يريد القول : إن الواقع الفلسطيني سقط قتيلاً مضرّجاً بدمائه , قرب خيمة صيّاده التي رُفِعتْ على أرضه . فلا احتراق وانبثاق وليس ثمة ولادة جديدة ..
لعلّ محمود درويش هنا , يقف, وهو يكتب سيرة المكان , أميناً لذاكرة الواقع , وليس لذاكرة الحلم , فالسقوط العربي قد حدث , وفلسطين قد ضاعتْ , والحلم نُحِر على عتبات الريح ..
ويحاول درويش في هذا الباب أن يمزج الأسطوريّ باليوميّ , العاديّ , الأليف من خلال ثلاث قصائد هي ” ( كالنون في سورة الرحمن , وأمشاط عاجية , وتعاليم حوريّة ) . حيث يصوّر درويش في – تعاليم حورية – صورة متميّزة لأمه بكلّ ما تحمله هذه المرأة من حنان ودفء , لم يتسنَّ لهذا الطفل المهجّر أبداً أن يتمتّع بهما , فلا يبقى في ذاكرته سوى تعاليم المرأة الأولى التي كان لها فضل انطلاقه كمهر جموح في هذه الدنيا , المرأة الأم التي تعرف معنى أن تحرّر عاطفة الأمومة من التملّك , لتتحوّل إلى رغبة جامحة في تصعيد مشاعرها إلى حالة من العطاء الحرّ .. فنسمع صوتها في القصيدة :
” لا نلتقي إلا وداعاً عند مفترق الحديث .
تقول لي مثلاً : تزوّجْ أيةَ امرأة
من الغرباء , أجمل من بنات الحيّ . لكن , لا
تصدّقْ أيّة امرأة سوايَ . ولا تصدّقْ
ذكرياتك دائماً . لا تحترقْ لتضيء أمّكَ ,
تلك مهنتها الجميلةُ . لا تحنّ إلى مواعيد
الندى . كن واقعيّاً كالسماء . ولا نحنّ
إلى عباءة جدّك السوداء , أو رشواتِ
جدّتك الكثيرة , وانطلقْ كالمهر في الدنيا.
وكنْ من أنتَ حيث تكون . واحملْ
عبء قلبكَ وحده … وارجعْ إذا
اتسعتْ بلادك للبلاد وغيّرتْ أحوالها … ” ( 43 )
لا نقف هنا أمام امرأة عادية , إنما نقف أمام أحد الحكماء , الذين ارتوت روحهم بالمعرفة , وانصهرتْ بالتجربة , حتى خرجتْ بأجمل صورة ..
فنحن قلّما نلقى في الحياة أمّاً على هذه الشاكلة , بل دائماً نجد الصورة الضدّ , حيث الأمّ التي تفيض بحنانها ومشاعرها إلى درجة تفقد معها السيطرة على هذه المشاعر , فتصبح نوعاً من التملّك والإلغاء , الذي لا يقبل أن يخرج الابن على حدوده …
– الباب الرابع / غرفة للكلام مع النفس / : ويتألف هذا الباب من ست قصائد , تشرع أبوابها للحوار مع النفس , كما يوحي العنوان , وكأنّ الشاعر قد انتهى من حوار المكان وأحيائه , وأشيائه , وذكرياته , وكلّ ما فيه , فانتقل إلى ذاته , ليعيد قراءة ما كتبتْه الأيام فيها من سطور , ولكي يرى ما رمته الريح من ذكريات في اللغة , ليحدّد مكانه في هذا العالم الذي يدور فيه ..
يقول في قصيدة ( تدابير شعرية ) :
” لم يكنْ للكواكب دورٌ
سوى أنها علّمتْني القراءةَ :
لي لغةٌ في السماءْ
وعلى الأرض لي لغةٌ
من أنا ؟ من أنا ؟ ” ( 44 )
إنّ الشاعر يعرف تماماً السلاح الخطير الذي يملكه , هذا السلاح الذي بإمكانه تغيير العالم , وقلب الموازين رأساً على عقب .. يقول :
” ألقصيدة ما بين بين , وفي وسعها
أن تضيء الليالي بنهدَيْ فتاةٍ ,
وفي وسعها أن تضيء بتفّاحةٍ جسدينِ ,
وفي وسعها أن تعيدَ
بصرخة غاردينيا , وطنا ! ” ( 45 )
إنّ محمود درويش يقرأ نفسه , بوصفه شاعراً , والقصيدة بين يديه كائنٌ أسطوريٌّ , قادر على اختراق اللا معقول بالمعقول , والخارق بالعاديّ , ولكنّها في عملها هذا , تزيد من تغريب الشاعر عن نفسه وتلقيه على عتبات السؤال الأزليّ : من أنا ؟ .. يقول :
” ألقصيدة بين يديّ وفي وسعها
أن تدير شؤون الأساطير ,
بالعمل اليدويّ , ولكنّني
مذ وجدتُ القصيدةَ شرّدتُ نفسي
وساءلتها :
من أنا
من أنا ” ( 46 )
إنّ اكتشاف الشاعر لنفسه شاعراً , أعطاه مدّاً جديداً في الانفتاح على الكون وتعرّفه بأصابع الشعر .. حيث ألقته في عالم شاعرٍ قديم ٍأحرقتْه
المنافي , وغرّبتْه السجون , ورمتْه على قارعة الذبول .. إنه أبو فراس الحمداني / الشاعر الأمير الأسير .. حيث اتّخذه محمود درويش قناعاً له , تتكشّف من خلفه الحقائق , وتنجلي أمامه غمامة الأحزان . ففي قصيدته
/ من روميّات أبي فراس الحمداني / يخرج صوت الشاعر حزيناً :
” زنـزانتي اتّسعتْ سنتميتراً لصوت الحمامة : طيري
إلى حلبٍ , يا حمامة , طيري بروميّتي
واحملي لابنِ عمّي سلامي ! ” ( 47 )
ثمةَ حالة واحدة لكلا الشاعرين , بحثٌ دائمٌ عن الحريّة , لا توقفه جدران الزنازين , ولا تغيّره المنافي .. بل تزيده بحثاً , وتدفعه إلى العودة إلى ذاته المتشظّية , ليقف قليلاً مع النفس التي بقيتْ وحيدةً في سجنها .. يقول :
” أنا لا أحبّ الكثافة حين تخبّئ في سجنها
حركات المعاني , وتتركني جسدا
يتذكّر غاباته وحدَه … للصدى غرفةٌ
كزنـزانتي هذه : غرفة للكلام مع النفسِ ,
زنـزانتي صورتي لم أجدْ حولها أحدا
يشاركني قهوتي في الصباح , ولا مقعدا
يشاركني عزلتي في المساء , ولا مشهدا
أشاركه حيرتي لبلوغ الهدى .
فلأكنْ ما تريد ليَ الخيلُ في الغزوات :
فإمّا أميراً
وإمّا أسيراً
وإمّا الردى ! ” ( 48 )
لقد أصبح السجن عند الشاعر غرفةً للحوار مع النفس , والتفكير فيما مضى , بل تحوّل إلى صورة للذَّات , صورةٍ موحشةٍ , تعكس ظلال الحزن والغربة ..
إن المكان لدى الشاعر , انحرفَ نحو هامشٍ تنبثق فيه الذكريات كسنونوات خائفة , تهرب منه , لكنها تعود لتحطَّ على نوافذه , لتصبح جزءاً من هذه الوحشة الممتدة ..
ويعود محمود درويش في قصيدة / قال المسافر للمسافر : لن نعود كما .. / ليقف على قيمة الكتابة , وانخلاقها من الغيب , ونـزولها أرض الكلام , لتصبح صورة للمعنى , وانبثاقاً للحياة .. يقول :
” لا أعرف الصحراء ,
مهما زرتُ هاجسها ,
وفي الصحراء قال الغيب لي :
أكتبْ !
فقلتُ : على السراب كتابةٌ أخرى
فقال : أكتبْ ليخضرّ السرابُ
فقلتُ : ينقصني الغيابُ
وقلتُ : لم أتعلّم الكلمات بعدُ
فقال لي : أكتبْ لتعرفها
وتعرفَ أين كنتَ , وأين أنتَ
وكيف جئتَ , ومن تكون غداً ,
ضع اسمكَ في يدي واكتبْ
لتعرف من أنا , واذهبْ غماما
في المدى ..
فكتبتُ : من يكتبْ حكايته يرثْ
أرض الكلامِ ويملك المعنى تماما ! ” ( 49 )
إن هذا الحوار أشبه بحدث نـزول الوحي على الرسول , عندما سمع صوتاً يقول : اقرأْ … إلخ . أمّا هنا , فالغيب يقول : اكتبْ .. وكأنّ حدث القراءة قد تمّ في زمنٍ مضى , وجاء زمن الكتابة التي سيخضرّ لها السرابُ , وتمتلك المعنى وأرض الكلام معاً ..
– الباب الخامس : / مطر فوق برج الكنيسة / : ويتألف هذا الباب من خمس قصائد , تنفتح على عالم من الحبّ , الوجه الآخر لمحمود درويش , الوجه الذي يتحدّى به جفاف الآخر , وعدم اعترافه بإنسانية عدوّه .. عالم من الحبّ , يختلف عما عهدناه في شعر الحبّ العربي , فالعلاقة مع الأنثى تتحوّل لتصبح حواراً إنسانياً , مع الذات , مع المرآة التي يختزنها الشاعر في ذاكرته , ويرى فيها كلّ ما تخفيه معالم الواقع .. عالم من الحبّ الذي يتحدّى الأسطورة بالإنساني الدافئ , والخلود باللحظات العابرة , هذه التي تنـزاح في لحظة الإبداع , لتصبح هي الخلود ذاته , مكسّرة بهوامشها المحترقة كلّ متن ٍ حديديٍّ, فرضته الذاكرة الشعبية , على شاعر شكـّلتْ القضية عنده فضاء الكتابة ..
محمود درويش يستعيد ذاته , ويزرعها على عتبات الريح , لعلّه يستردّ ما فقده في معمعة الواقع الصارخ .. فهيلين بائعة الخبز , هي الحلم الواقعيّ الذي ينسخ ما نسجته الأسطورة من قصص الكبار , أمام حميميّة الحياة .. يقول :
” ويقول الغريب لبائعة الخبز :
هيلينُ هيلين ! هل تصعد الآن
رائحة الخبز منك إلى شرفةٍ
في بلادٍ بعيدةْ …
لتنسخ أقوال هوميرَ ؟
هل يصعد الماء من كتفيك إلى
شجرٍ يابسٍ في قصيدةْ ؟ ” ( 50 )
إنّ هيلين في لحظة الحبّ / الخلق الحقيقية , تمثّل الخالقة التي تثبّتُ روح الشاعر الهائمة في غربته وانقسامه على ذاته , بل تعيد إليه ثقته بنفسه .. يقول :
” ويقول الغريب لهيلين : ينقصني
نرجسٌ كي أحدّقَ في الماء ,
مائِك , في جسدي . حدّقي أنتِ
هيلينُ , في ماء أحلامنا … تجدي
الميّتين على ضفّتيك يغنّون لاسمكِ :
هيلينُ … هيلين ! لا تتركينا
وحيدين مثل القمرْ ” ( 51 )
هيلين رمزٌ آخر لعشتار الخالقة , التي تبعث الحياة على الأرض , وتهب الخلاص للعالم ..
إنّ محمود درويش هنا , يكتب سيرة الحبّ , كما يراه هو , حبٍّ عميق الدلالات , يستثير المتلقي ليبحث عن جذور الوجدان , وذاكرة الحبّ
عنده ..
وتأتي لعبة الضمائر منبعثة من عمق الخطاب الشعري , بل يقوم عليها هذا الخطاب , وبشكل بارزٍ , ففي قصيدة / ليلٌ يفيض من الجسد / نشهد صراعاً واضحاً بين مختلف الضمائر , صراعاً يؤدي إلى الانصهار الكليّ : أنا / هي / هو / , مما يفجّر حالة من الحبّ الشبقي .. يقول :
” من أنا بعد عينين لوزيّتين ؟ يقول الغريبْ
من أنا بعد منفاكِ فيّ ؟ تقول الغريبةْ .
إذنْ , حسناً , فلنكنْ حذرَين لئلا
نحرّك ملحَ البحار القديمة في جسدٍ يتذكّر …
كانتْ تعيد له جسداً ساخناً ,
ويعيد لها جسداً ساخناً .
هكذا يترك العاشقان الغريبان حبّهما
فوضويّاً , كما يتركان ثيابهما الداخلية
بين زهور الملاءات … ” ( 52 )
إنّ عملية التذكّر تعادل بين الحبّ والجنس في هذا اللقاء , بحيث يصبح كلّ واحد منهما وجهاً للآخر , على سرير غريب , لعاشقين غريبين ..
إن هذا اللقاء بين الشاعر وفتاته , هو لقاء الذات بموضوعها , والأنا بآخرها في حالة شبه صوفية .. يقول :
” – يا حبيبيَ , لو كان لي
أن أكونَ صبيّاً … لكنتُكَ أنتَ
– ولو كان لي أن أكون فتاةً
لكنتُكِ أنتِ ! …
” … ”
وتبكي , لتقطع غاباتِها في الرحيل
الطويلِ إلى ذاتها : من أنا ؟ ” ( 53 )
إن الحوار يشي بالبعد الطفوليّ الذي يحمله كلّ منهما .. / صبياً , فتاةً / فهي لم تقل رجلاً , وهو لم يقلْ امرأة .. وكأنّ اللقاء أشبه بلعب الأطفال , الذي ينتهي بلا شيء , وكأنّ شيئاً لم يكنْ .. فبكاء الفتاة وسيلة لقطع طريقٍ طويلٍ إلى سؤال الأبديّة الذي لا ينتهي : من أنا ؟ سؤال الضائع الغريب الذي لا يجد ملجأً سوى الضياع في الآخر .
ولهذا نجد الشاعر في قصيدته التالية / للغجرية سماءٌ مدرّبةٌ / يبحث عن حالة من الحرية المطلقة , المنفلتة من كلّ حدّ .. فالغجر رمزٌ للتنقّل الدائم , إيقاع متحرّر من كلّ الضوابط والقوانين .. فالغجرية :
” غيمة حملتْها اليماماتُ من نومها
هل تعود غداً ؟ لا . يقولون : لا
تعود الغجريّة . لا تعبر الغجريّة في بلدٍ
مرّتين … ” ( 54 )
إن ارتباط الغجر بالحريّة في بحثٍ دائمٍ عن الحياة , لهو دافعٌ للشاعر , للبحث عن ذاته الضائعة , بين الحاضر والماضي , بين الأنا والآخر , بين ذاكرة فرديّة وذاكرة جمعيّة , مازالت تحفر في نفسه عميقاً عميقاً …
وتأتي قصيدة / تمارين أولى على جيتارة أسبانية / , خطاباً معلناً لثنائية مريرة تحرق نفس الشاعر, وتلقيه في مهبّ الذكرى .. يقول :
” لا شيءَ يأخذ منكِ أندلسَ الزمانِ
ولا سمرقند الزمانْ
إلا خطى النهوندِ :
تلك غزالة سبقتْ جنازتها
وطارتْ في مهبّ الأقحوانْ
يا حبّ ! يا مرضي المريضَ
كفى , كفى !
لا تنسَ قبركَ مرة أخرى على فرسي ,
ستذبحنا هنا جيتارتانْ ” ( 55 )
الحبّ مرة أخرى سكين في الخاصرة , لا يستطيع الشاعر تركه , ولا يستطيع إخراجه , في كلا الحالتين , يقف الحبّ قاتلاً ومقتولاً معاً ..
ويختتم الشاعر هذا الباب بقصيدة بعنوان :/ أيام الحبّ السبعة / هذا العنوان الذي يبدو , وكأنه أحد فصول كاماسوطرا , أنشودة الحبّ المقدّس ..
كما يبتدئها بيوم الثلاثاء , يومٌ حرٌّ تماماً , بعيدٌ عن بدايات الأسبوع
المعروفة , وكأنّ يريد القول : إن الحبّ يقلب الموازين رأساً على عقب , حتى الثوابت التي لا يمكن تغييرها أبداً . ولاسيما أنه يعطي كلّ يوم من هذه الأيام عنواناً فرعياً يوحي بما يريد قوله .. فتأتي العنقاء أول الأيام .. حيث يقول :
” يكفي مرورك بالألفاظ كي تجدَ
العنقاء صورتها فينا , وكي تلدَ
الروح التي ولدتْ من روحها جسدا …
لا بدّ من جسدٍ للروح تحرقه
بنفسها ولها , لا بدّ من جسد
لتظهر الروح ما أخفتْ من الأبدِ
فلنحترقْ , لا لشيءٍ , بل لنتحدا ” ( 56 )
إذن فبداية الأسبوع عند درويش , في أيام حبه السبعة , هي الاحتراق , ولكن هي احتراق الانصهار والاتحاد .. بينما نجده في يومه الثاني / الأربعاء : نرجسة / حيث يقول :
” خمس وعشرون أنثى عمرُها . وُلدتْ
كما تريد … وتمشي حول صورتها
كأنها غيرها في الماء : ينقصني
ليلٌ .. لأركض في نفسي . وينقصني
حبّ لأقفز فوق البرج .. وابتعدتْ
عن ظلّها , ليمرّ البرق بينهما
كما يمرّ غريب في قصيدته … ” ( 57 )
إن محمود درويش يخرج الأسطورة من نفسها , ويقلبها على أمّ رأسها , حيث يجعل من نرجسَ أنثى تبحث عن صورتها الحقيقية , على عكس نرجس الذي هام عشقاً بنفسه , بعد أن رأى صورته في الماء .. بينما نرجسه ينقصها الآخر الضدّ لترى نفسها .. فالإنسان لا معنى لوجوده في الفراغ
والوحدة ..
وهكذا تتعاقب أيام الحبّ السبعة , حيث يصغي الشاعر فيها إلى صهيل القصائد التي تنثال عليه من عمق روحه الشفافة ..
ومن الواضح في هذه القصيدة , أنّ الشاعر يعتمد أسلوباً متميّزاً للتقفية , ليس جديداً عليه , ولكنه قلّما يستخدمه , إلا إذا أراد , كما يبدو , أن يوحي للمتلقي بأن القصيدة , أو المقطع الشعري , ما هي إلا سطرٌ شعريّ واحد , ممتدّ من احتراق الروح إلى جسد الصفحة البيضاء …
فكلّ جملة تتعالق مع ما بعدها , فلا تُقرَأ إلا بها , بحيث تغدو القافية زخرفة داخلية زائدة , لا يستريح النَفَسُ معها , ولا ينقطع عندها جيشان المعنى .. يقول مثلاً في / الأحد : مقام النهوند / :
” يحبّكِ , اقتربي كالغيمة … اقتربي
من الغريب على الشبّاك يجهشُ بي :
أحبّها . انحدري كالنجمة … انحدري
على المسافر كي يبقى على سفرٍ :
أحبّكِ انتشري كالعتمة … انتشري
في وردة العاشق الحمراء , وارتبكي
كالخيمة ارتبكي , في عزلة الملكِ … ” ( 58 )
إن اللعبة الفنية في هذا المقطع واضحة , حيث عمد درويش إلى المقابلة اللفظية حيث نجد ( كالنجمة , كالغيمة , كالعتمة ) فالوقع الموسيقي واحد في هذه الكلمات الثلاثة , كما نجد ( اقتربي , انتشري , انحدري , ارتبكي ) إن صيغة الطلب / الأمر هنا , عملت على دفع الجملة الشعرية , ورفدها ببعد موسيقيّ , لا يخفى على المتلقي , سمعياً أو بصرياً , ساعدها على ذلك تفعيلات البسيط ذات التنغيم العالي ..
لقد استخدم درويش مثل هذا الأسلوب في مجموعته / هي أغنية1986 / فقد قامت قصيدته ( العزف منفرد ) على القافية المتعالقة , معتمدة تفعيلات البسيط , وبالأسلوب ذاته .. يقول مثلاً :
” لو عدتُ يوماً إلى ما كان لن أجدا
غيرَ الذي لم أجده عندما كنتُ
يا ليتني شجر ٌ كي أستعيد مدى
الراوي . وأسند أفقي حيثما ملتُ
وليتني شجرٌ لا يستطيل سدى ..
صدّقتُ حلميَ ؟ لا . صدّقتُ ما يردُ
والعزف منفردُ ” ( 59 )
إن درويش في / لماذا تركت الحصان وحيداً / لا يكتب سيرته , وسيرة الشعب الفلسطينيّ وحسب , بل يعيد الاحتفاء بكلّ ما حفلت به تجربته الشعرية من أساليب , فنية , ولغوية .. إلخ .
لقد حاول درويش أن يعيد , من خلال كتابة سيرته , كرامة الشعر , وما فقده من التألّق , وأن يجعله موازياً لتجربة الواقع الفلسطيني خصوصاً , والإنساني عموماً ..
الباب السادس / أغلقوا المشهد / : ويضمّ الباب الأخير أربع قصائد , تنفتح على فضاءات جديدة من السيرة , لا تتصل مباشرة بالذات , بل بموضوعها , أو بتعبير آخر , تتصل بحالة القهر التي يعانيها الشعب الفلسطيني فوق أرضه منذ إعلان الكيان الصهيوني , وتوجيه أقوى صفعة لكرامة الأمة العربية في عصرها الحديث ..
أولى هذه القصائد هي ( شهادة من برتولت بريخت أمام محكمة
عسكرية 1967 ) .. والسؤال هنا : لماذا اختار درويش بريخت ليكون قناعاً له ؟
إن الجواب واضح .. بريخت المسرحي الألماني اليساريّ الذي قاوم النازية وأعمالها الوحشيّة بفكره ومسرحه , هو صورة مماثلة لمحمود درويش اليساريّ الذي قاوم الصهيونية بكلّ ما يملك , ولاسيما الشعر ..
في هذه القصيدة يعلو صوت درويش بقناعه بريخت أمام المحكمة , ويقلب الأدوار , ويبدأ بسرد الأعمال والجرائم التي يقوم بها القاضي وجنوده الذين يدمّرون كلّ شيء , فهم , كما يقول درويش :
” .. يعيشون حياتي مثلما تعجبهم ,
بدلاً مني ,
ويمشون على اسمي حذرينْ …
وأنا , يا سيّدي القاضي هنا
في قاعة الماضي , سجينْ ” ( 60 )
إنّ محمود درويش , على امتداد هذه القصيدة يرفع صوته مليئاً بالقهر والألم والشكوى , التي لا تسمعها المحكمة , كما يبدو , ولهذا نراه يصرخ في آخر القصيدة بقوله :
” آن لي أن أصرخ الآنَ
وأن أسقط عن صوتي قناع الكلمةْ :
هذه زنـزانة يا سيّدي , لا محكمةْ
وأنا الشاهد والقاضي . وأنتَ الهيئة المتّهمةْ ” ( 61 )
لقد أراد درويش في القصيدة أن يضعنا أمام صورتين للظالم بجميع تجلياته : النازية / الصهيونية , وأمام المظلوم : الشعوب التي وقعتْ تحت حكم النازيين / الفلسطينيين . هذا من جهة , ومن جهة أخرى أراد درويش أن يعيدنا إلى بريخت نفسه في فكره ومسرحه .. ويذكرنا بشكلّ خفيّ بمسرحية بريخت / محاكمة لوكولّوس / ..
وتأتي قصيدة / خلاف لغوي مع امرئ القيس / نوعاً من الانكسار الخفيّ , والضياع والهزيمة والسخرية المريرة , التي تجعل من الإنسان ظلاً دون
جسد , أو كلاماً بلا معنى , فكلّ شيء معدٌّ سلفاً :
أغلقوا المشهد ..
تاركين لنا فسحة للرجوع إلى غيرنا
ناقصين . صعدنا على شاشة السينما
باسمين , كما ينبغي أن نكون على
شاشة السينما , وارتجلنا كلاماً أعدّ
لنا سلفاً , آسفين على فرصة
الشهداء الأخيرة . ثمّ انحنينا نسلّم
أسماءنا للمشاة على الجانين . وعدنا
إلى غدنا ناقصين … ” ( 62 )
إنّ امرأ القيس الذي يمثّل حالة الهزيمة , عندما استنجد بقيصر لاسترجاع حقه الضائع من أهله , ولم يردعه أحد .. فهذا الذي سنّ لغةً للشعر قد
خانها , فخان حياتها :
” لم يقلْ أحدٌ لامرئ القيس : ماذا صنعتَ
بنا وبنفسكَ ؟ فاذهبْ على دربِ
قيصرَ , خلف دخانٍ يطلُّ من
الوقتِ أسود . واذهبْ على درب
قيصر , وحدكَ , وحدكَ , وحدكَ
واتركْ لنا , ههنا , لغتكْ ! ” ( 63 )
إن امرأ القيس الشاعر هو من يريده درويش , فلغته هي الخالدة , وليس ملكه , واللغة إذا تنازلت عن مبدئها وصدقها , سقطتْ وكأنها وهم السراب..
إنّ حالة الانفصام الروحي والهزيمة الداخلية تمتدّ إلى القصيدة الثالثة ( متتاليات لزمن آخر ) كان يكفي قليل من الحلم والحبّ والسلام , لكي تصبح الحياة أحلى , ولكن القاتل ما زال بانتظار ضحيته , ولن يبرح حتى يوقع بها .. ولهذا فالنفس تعيش حالة الفصام .. يقول :
” كان يوماً مسرعاً . أنصتّ للماء
الذي يأخذه الماء ويمضي مسرعاً ,
تحتَ ,
أرى نفسي تنشقّ اثنين :
أنا ,
واسمي … ” ( 64 )
ويختتم درويش مجموعته , ويغلق المشهد , بقصيدته ( عندما يبتعد ) هذه التي تأتي نوعاً من البوح الدافئ , الذي يفيض بكل الحميمية الإنسانية , وتنسى أحقادها , إذا اتسع الوقت , أو عندما يبتعد الغرباء عن مربط الفرس في الدار القديمة .. إن القصيدة تسكت أكثر مما تبوح , وتخبئ أكثر مما تظهر , ولكنها تهمس بكلّ كبرياء الإنسانية :
” عمْ مساءً وسلّمْ على بئرنا
وعلى جهة التين . وامش الهوينى على
ظلّنا في حقول الشعير . وسلّم على سرونا
في الأعالي . ولا تنس بوابة البيت مفتوحة
في الليالي . ولا تنس خوف
الحصان من الطائرات ,
وسلّم علينا , هنا , إذا اتسع الوقتُ … / ” ( 65 )
لقد هتف أبو المعرّي قبل ألف عام , الصرخة ذاتها , وإن اختلف المخاطَب – خفّف الوطء ما أظنّ أديمَ الـ………أرض إلا من هذه الأجسادِ
إن من يقرأ خطاب درويش , يعتقد أنه يخاطب صديقاً حميماً , أو أحد أبناء الأرض , فهو يعرف كلّ شيء عنها , لذلك يوصيه بكلّ ما يحبّ .. وهنا تكمن اللعبة الدرويشيّة في هذه القصيدة .. فدرويش يسكت لكي يقهر قاتله , ويفوّت عليه تلذّذه بمشهد عذاب ضحيّته , ويتحدّاه بصمته ,
بضعفه , بإنسانيته ..
لقد استطاع محمود درويش , أن ينتقي قصيدة مناسبة , ليختتم بها مجموعته هذه , قصيدة تلخّص البعد الحضاريّ الذي يحمله درويش , ويخاطب به عدوّه .
إنه حوار يتسامى على كلّ أساليب الوحشية الإسرائيلية , وبالتالي يلغيها , ولا بد أن ينتصر عليها , كما انتصر السيّد المسيح بضعفه الإلهيّ , على قوّة الرومان البشريّة ..
* *

جدلية السؤال والبحث عن الذات ..
جدلية السؤال عند محمود درويش , تبدأ من العنوان / لماذا تركت الحصان وحيداً / .. إنه يفترض مخاطَباً , قد يكون غائباً أو حاضراً في الوقع , لكنه موجود في القصيدة دون شكّ ..
إنها ثنائية الأنا وآَخَرِها ..
هذه الثنائية التي تمتد في تاريخ القصيدة العربية حتى بداياتها .. فقد اجترحها امرؤ القيس في مطلع معلقته : ( 66 )
– قفا نبكِ من ذكرى حبيب ومنـزلِ بسقط اللوى بين الدخول فحوْمل ِ
فالمخاطب الافتراضي , قد يكون مخاطباً نصّياً على الأغلب , في محاولة لفتح فضاء الذات الشاعرة , ومشهديتها على الآخر , الذي قد يكون مثنى , كالغالب على المخاطب في مطالع القصائد العربية الكلاسيكية , والأمثلة أكثر من أن تحصى ..
وقد يكون المخاطب جمعاً , كما في مطلع قصيدة الشنفرى : ( 67 )
– أقيموا بني أمي صدور مطيـِّكم فإني إلى قوم سواكم لأمَـيْـلُ
وهنا يكون المخاطب غالباً حقيقياً , يتوجّه إليه الشاعر مباشرة ..
غير أن المخاطب المفرد , الذي قلما تخلو منه قصيدة عربية , يكاد يكون آلية لفتح الخطاب الشعريّ على كلّ الموجودات في الواقع , فيتحوّل هذا المخاطب النصيّ , في لحظة الكتابة , ليصبح الصورة َ الِمثْل لكشف
الذات .. وهذا ما يمكن تسميته بالمخاطب / الظل ..
ولكن درويش هنا لا يترك مخاطَبَه حرّاً , بل يعيده إلى ذاكرة , لا يكاد يشتّ عن مساقط رؤيتها شيء .. فآلية الرصد في الحالة الشعرية تتوهّج أكثر , كلما غاصت في التفاصيل , حيث يندمج المخاطب بالأنا في فضاء القصيدة , ويصبح المخاطَبُ المندمج , هو كلّ عربيّ , ممثلاً برمز الحصان هنا , كلّ عربي يحاول درويش أن يفتح أمامه ذاكرة المكان , وسيرة الذات المفردة , التي كان هذا / الأنت / صانعاً ومشاركاً حقيقياً في صياغتها ضمن الذات الجمعية ..
ومحمود درويش يلقي بنفسه عميقاً , في اللغة بكامل نصاعتها وتوهّجها , حيث تنكشف على أسئلة مأزومة , تكشف بدورها عن واقع أكثر تأزّماً .. أسئلةٍ تحمل إجاباتها فيها , غير أن هذه الإجابات , تنقلب بدورها لتصبح أكثر غموضاً وإمعاناً في التخفـّي .. وتأتي قصيدة / أبد الصبّار / أنموذجاً متميّزاً للسؤال الحواري , الذي يدور بين أب ٍ وابنه .. حيث يفتتح الابن الحوار بأسئلة تنمّ عن روح الطفولة , بينما تأتي أجوبة الأب دليلاً على الضياع , وعلى حالة القهر التي وصلها :
” – إلى أين تأخذني يا أبي ؟
– إلى جهة الريح يا ولدي .. ” ( 68 )
إن درويش الذي يختصر بهذا السؤال , حياة ً تضجّ بالمفارقات والهجرات والمنافي , يختصر أيضاً تجربته الشعرية .. حيث يصبح الشعر طفلاً والشاعر أباً , والإبداع جهة الريح , التي لا تعرف سكوناً أو استقراراً ..
إنه محمود درويش ..
وتمتدّ القصيدة في وصف مشهد الخروج , لتكشف عن الصراع الذي قام على هذه الأرض , وما زال مستمرّاً .. ويقطع الابن هذا الامتداد المشهدي بأسئلته الطفولية :
“- لماذا تركتَ الحصان وحيداً ؟
– لكي يؤنس البيت يا ولدي ,
فالبيوت تموت إذا غاب سكّانها … ” ( 69 )
إن السؤال عند درويش حالة من تأكيد الذات المنهارة , أمام واقع منهار ..
فالحصان أصبح رمزاً للصمود والتمسك بالأرض .. بل أصبح دالاً على هوية الأرض التي غادرها أصحابها ..
وتمتدّ أسئلة الطفل الحائرة , إلى قصيدة أخرى هي / كم مرة ينتهي أمرنا / لتكشف قسوة الواقع , وقسوة المنفى ..
” هل سنبقى , إذاً , ههنا يا أبي
تحت صفصافة الريح
بين السموات والأرض ” ( 70 )
تمثـّل الصورة / صفصافة الريح / محور السؤال , وتكشف عن
حالة الضياع والفراغ . فالصفصاف شجر لا يثمر , والريح هنا دالّ على الخواء .. ويأتي جواب الأب مليئاً بالقهر والأسى , حيث يعرف سلفاً : ما معنى أن يصبح المنفى وطناً بديلاً للوطن الحقيقي :
” – يا ولدي ! كلّ شيء هنا
سوف يشبه شيئاً هناك
سنشبه أنفسنا في الليالي
ستحرقنا نجمة الشبه السرمديّة
يا ولدي ! ” ( 71 )
إن الحزن الخفيّ في قول الأب , يشي بكارثة حقيقية : هي أن يعتاد الإنسان منفاه , ليصبح هذا الأخير شبيهاً للوطن , ومن ثمّ , بديلاً له , وبالتالي , نسيانه .. فالانتظار يهمّش , والعادة تقتل ..
وتأتي قصيدة / إلى آخري وإلى آخره … / خاتمة لحوار الأب وابنه , وإجابة نهائية لأسئلة الطفل الذي لا يملّ السؤال ..
فالعودة إلى الوطن , هو جواب الأب النهائي , وبداية المكان الجديد ..
ويأتي الحوار تخفيفاً على النفس من وعورة الطريق , وطول المسافة .يقول :
” – هل تعبتَ من المشي
يا ولدي , هل تعبتْ ؟
– نعم , يا أبي
طال ليلك في الدرب ,
والقلب سال على أرض ليلك
– مازلتَ في خفـّة القطِّ
فاصعدْ إلى كتفيّ ,
سنقطع عمّا قليل
غابة البطم والسنديان الأخيرة
هذا شمالُ الجليلْ
ولبنان من خلفنا
والسماء لنا كلها من دمشق
إلى سور عكا الجميلْ ” ( 72 )
ولكن الحوار ليس عادياً , بل يأتي تمهيداً لفعل الرجوع الحقيقي , والعودة إلى الوطن , هذا الوطن الذي ما زال يعيش بذاكرة الطفل وكأنه أمامه , حيث يبدأ بوصفه بدقة , مجيباً أبيه :
” – هل تعرف الدرب يا ابني
– نعم يا أبي :
شرقَ خرّوبة الشارع العامِّ
دربٌ صغيرٌ يضيق بصبّاره
في البداية , ثم يسير إلى البئر
أوسعَ أوسع … ” ( 73 )
ما زال الشاعر / الطفل يحمل تفاصيل المكان في نفسه , فالدرب حاضرة بكلّ تفاصيلها التي تؤدّي إلى البيت , الحاضر أيضاً بكلّ تفاصيله ..
” – هل تعرف البيت , يا ولدي
– مثلما أعرف الدرب أعرفه
ياسمين يطوّق بوّابة ً من حديد
ودعسات شمس ٍ على الدرج الحجريّ
وعبّاد شمس يحدّق في ما وراء المكان
ونحلٌ أليف يُعِدّ الفطور لجدّي
على طبق الخيزران
وفي باحة البيت بئرٌ وصفصافة وحصانْ
وخلف السياج غدٌ يتصفّح أوراقنا … ” ( 74 )
إن درويش يحاول أن يقدّم لنا المكان الأليف الواقعي كما هو , بكلّ
جزئياته , ويضعنا أمام هذه اللوحة الجميلة , وكلّ ذلك بعين الطفل الذي التحم بالمكان , وأصبح جزءاً من كائناته التي تعطيه كل هذا الدفء ..
وتلعب الصورة التشخيصية دوراً مهماً في بنية الصورة هنا : فالياسمين يطوّق البوابة , والشمس تدعس على الدرج الحجريّ , وعباد الشمس يحدّق , والنحل يعد الفطور , والغد يتصفـّح الأوراق .. وهذا ما أعطى المشهد بعداً حركياً , أضفى عليه جمالاً وروعة ..
وتنتهي القصيدة كما يجب لها أن تنتهي ..
” – يا أبي , هل تعبت
أرى عرقاً في عيونك ؟
– يا ابني تعبتُ … أتحملني ؟
– مثلما كنت تحملني يا أبي ,
وسأحمل هذا الحنين إلى
أوّلي وإلى أوّله
وسأقطع هذا الطريق إلى
آخري .. وإلى آخره . ” ( 75 )
إن الأب بوصفه رمزاً للجيل الأول , يطلب من ابنه أن يحمله , والحمل هنا يأتي دلالة على استمرار الطريق التي بدأها .. وهنا يجدّد الابن العهد لأبيه , ويعاهده على متابعة الطريق حتى بلوغ الوطن , أو الموت دون ذلك …
لا شكّ أن السؤال عند درويش , يعود بالشعر إلى صيغته الأولى بوجهيها المتمرّدين :
– أسئلة إبليس السبعة أمام حضرة الله , التي فتحت العالم على الغياب , وأعلنتْ أولى حالات التمرّد على السلطة العليا , على الحضور الكليّ ..
أسئلة ألقت النار في كومة القشّ الإلهيّ , وفتحت الباب واسعاً , أمام الخروج المعلن , للآخر الضعيف , المنتهك , ووضعت الكون على شفير الهاوية ..
أسئلة أعادت صياغة الوجود , وغيّرت ترتيب الحقيقة ..
– أسئلة الطفل الذي لا يرى الأشياء , إلا من منظار العبث الحالم ..
أسئلة تضع الآخَر , أمام الخواء , وتوقعه في نفسه , ليصبح الجواب عليها ضياعاً آخر ..
محمود درويش استطاع أن يلخـّص تاريخ السؤال / الكون / الوجود / الحياة / التجربة / الشعر / الضعف الإنسانيّ أمام المجهول ..
بالسؤال يبدأ الشعر .. وبالسؤال ينتهي .. ويبقى الجواب معلّقاً ..
النهايات المفتوحة التي لا تقتل اللذة عند المتلقي ..
سؤال الأعمى عن معنى النور ..
سؤال الأبكم عن قيمة اللغة ..
سؤال الشاعر , بعد تجربة عسيرة , مليئة بالتوتـّر والأزمات والتشظـّي :
من أنا .. !

 

دنيا الوطن

الخبر اليمني على التواصل الإجتماعي