الخبر اليمني-مسؤولية الخبر
موقع إخباري يمني مستقل يهتم بأخبار اليمن والعالم أولا بأول ويبحث تفاصيلها وأبعادها بدقة.

المشهد الدولي: لا تقرؤوني اليوم!!!

الخبر اليمني/

              د. بثينة شعبان*:

بثينة شعبان
*مفكرة عربية

المشهد الدولي يقول لنا جميعاً لا تقرؤوني اليوم، واقرؤوني بعد خمس أو عشر سنوات لأن كل ما يجري لا يمكننا فهمه، إلا إذا اعتبرناه مؤشراً على أحداث مقبلة، ومفصلاً ضمن مفاصل عدّة سابقة ولاحقة، تصل إلى نتائجها حين تكتمل أسباب نضجها وتحوّلها.
إنّ تسارع الأحداث وتعقيداتها، وتداخلاتها يملي علينا أن نتريث في تفسير نهايات ما نشهده من أحداث، وأن نستعين بالتاريخ والجغرافيا، والأهداف الاستراتيجية للقوى الاستعمارية المعادية للأمة العربية كي ندرك تماماً المسارات الحقيقية من تلك المسارات الوهمية أو المصطنعة. ووفق هذه المقدّمة فإنّ الزيارة التي قام بها ترامب إلى السعودية، تدخل في المنظور الآني جداً، والصغير، والمحددّ جداً إذ إنّ قصده منها هو “النهب الاستعماري” لأكبر كمية من مال الخليج ولا سيما أنه ومنذ عقود عندما كان شاباً في مقتبل العمر يقول إن البعض في الخليج يعيش كالملوك. لماذا لا نعيش نحن طبعاً بأموالهم؟ وقد أظهرت هذه الزيارة قمّة النفاق الوهابي، سواء في موضوع المرأة أو التقشف للمواطن، والكرم مع العدو أو التعامل الطائفي مع المسلمين وتولّي أعداء الأمة وتبنّيهم علناً وأمام الكاميرات، أو حتى في موضوع الصدق مع الذات والآخرين.
ففي الوقت الذي تقبع نساؤهم مقيدات، بالأغلال لا يُسمح لهن بالتحرك من دون محرم نرى الملك وحاشيته وشيوخ دينه الوهابي ينحنون أمام سيدة البيت الأبيض صاغرين، ويتحفونها وابنتها وزوجها وصهرها بهدايا، هي أقرب إلى الفحش منها إلى مبدأ التكريم، معتقدين أنهم يمكن أن يغيّروا من تصنيفهم ومكانتهم في أنظار الآخرين، وواهمين بأنّ هذا المال سوف يضمن موقفاً إيجابياً من مملكتهم التي تعاني ما تعانيه. والمتابع لردود الأفعال في الغرب على هذه الزيارة يستنتج من دون طول عناء القرف الغربي الحقيقي من ترامب وآل السعود، حيث جمع بينهما النفاق، والمصلحة العارية من أدنى أساليب الكياسة أو المنطق حتى. ولم تكن هذه الزيارة سوى زوبعة إعلامية حصد منها ترامب نصف تريليون من الدولارات لشركات بلاده، وأبقى الغبار والرمال تشوب أنظار ورؤية المتورطين الوهابيين بالإرهاب قبل أن ينتقل ترامب إلى زيارة لا تقلّ إشكالية وفضائحية في أوروبا ولا سيما بعد إعلانه الانسحاب من اتفاقية باريس للمناخ. إنّ ردود الفعل الأوروبية على زيارة وقرارات ترامب، وردود فعل بعض حكام الولايات الأمريكية على انسحاب ترامب من اتفاقية المناخ تبرهن على شيء واحد لا لبس فيه ألا وهو بداية تفكك امبريالية الغرب الأمريكي وبداية انزياح هيمنته الإعلامية، والحضارية عن العالم.
إذاً، فإنّ الغرب وحتى عام 2011 حاول وبكلّ ما يملك من قوة أن يعيد صياغة العالم على شاكلته الاستعمارية القائمة على نهب ثروات الشعوب، ومنها العربية، مستخدماً الإرهاب هذه المرة. ولكن أول فيتو مزدوج أخذته روسيا والصين في مجلس الأمن في 4/10/2011 لصالح الشعب السوري ضد الاستهداف الغربي كان إيذاناً بانكسار سياسية القطب الواحد ونشوء أقطاب أخرى وإن كانت في مرحلة أولية تتلمس طريقها ولم تتربع بعد على مكانتها في الموازين الدولية. ومنذ تلك اللحظة والغرب الأمريكي يحاول جاهداً أن يكون القطب الأوحد، وأن تكون الديمقراطية الليبرالية هي الأنموذج الوحيد في العالم.
ولكنّ مشهد الديمقراطيات العظيمة في الهند، وإيران، وروسيا، وغيرها من البلدان الصاعدة يشير إلى استقلالية هذه الديمقراطيات عن التوصيف الاستعماري الغربي للديمقراطية التابعة، والالتزام أكثر فأكثر بحضارة وثقافة الشعوب التي تنتج مثل هذه الديمقراطيات. هذا هو المسار الأساسي الذي سوف يكبر ويترسخ في العقد القادم: انحدار في المستوى، تفكك النظم الغربية الاستعمارية وثقة متزايدة في النفس من قبل الديمقراطيات والشعوب الأخرى. وما الأحداث الإرهابية التي نشهدها اليوم في مصر، وسوريا، والعراق، واليمن، وليبيا، والفيليبين، وغيرها سوى محاولات يائسة للإبحار عكس تيار التاريخ الأساسي. إذ إنّ الغرب لم يتوانَ عن استخدام أي وسيلة كي يمنع الشعوب من تحقيق أي استقلال ثقافي، أو فكري، أو سياسي، أو إرادي. وكلما فشلت أدواته ومرتزقته وإرهابه، استخدم طائراته في قصف المدنيين وأرسل أسلحة ومدربين من مخابراته وجيوشه وعتاداً لدعم الإرهابيين في كل مكان. ولكنها مرحلة أصبحت عابرة في التاريخ الحديث، حيث امتلكت الشعوب وعياً عميقاً بما يجري، خاصة بعد أن انهارت أسطورة الإعلام الحرّ في الغرب كما انهارت توصيفات الحرية وحقوق الإنسان، والمنظمات الإنسانية كالخوذ البيضاء وغيرها التي تغنّوا بها، وثبت أنها تُستخدم لدعم أكثر النظم السياسية قمعاً وتخلفاً إذا ما وجدوا لهم مصلحة ولو ضيّقة في ذلك. انقلب السحر على الساحر وما سوف نشهده بعد اليوم سيكون التاريخ الحقيقي للشعوب التي تعمل وتسعى لتثبيت هويتها ومكانتها بشكل لائق ومحترم في عالم اليوم والمستقبل. ولكنّ هذا المستقبل سوف يعتمد على ما تقدمه هذه الشعوب لذاتها وما سوف تنتجه من فكر، وآليات عمل فعالة تضمن لها مراكز مرموقة في الحسابات الدولية الإقليمية.

 

 الميادين نت

قد يعجبك ايضا