أبجدية

أجهـزة الإعلام الـغـربيـة و تـَكريس الهـيمنة الثقافـية

د. عبد القادر حسين ياسين:

يشغل الإعلام حيزاً هاماً في ظاهرة الهيمنة الثقافية ، ذلك أن وسائل الإعلام مدعوة لمواكبة الاستغلال الاقتصادي والتبعية السياسية وإضفاء ” الشرعية” عليها ، وتضليل الشعوب المستغلة (بفتح الغين ) بهدف طمس هويتها لمصلحة الايدولوجيا الاستعمارية … وفي هـذا المقـال سأحاول إلقاء المزيد من الأضواء على الدور الذي تلعبه أجهزة الإعلام فيما يسمى بـ “الـعـالـم الحـُرّ” في تكريس الهيمنة الثقافية على شعوب العالم الثالث .

 

من نافـلـة القول أن الإعلام ليس ظاهرة فكرية فقط ، بل هو أيضا نشاط اقتصادي يستوجب إعتمادات مالية وأيدي عاملة ، ويحتاج إلى مواد أولية (كالورق بالنسبة للصحف والمجلات مثلا ) ، ولذا فإنه يتمتع بنفـس الخصائص التي تتمتع بها الأنشطة الاقتصادية الأخرى في الدول الإمبريالية وفي التداخل بين الرأسمال المصرفي والصناعي والشركات الاحتكارية المتعددة الجنسيات ، وعالمية الإنتاج والاستهلاك أو ـ بعبارة أصح ـ تصدير رؤوس الأموال .فعلى سبيل المثال لا الحصر يساهم بنك منهاتن  Chase Manhattan الذي تملكه أسرة روكفيلر في معظم المؤسسات الصناعية وسائل الاتصال ، جنرال الالكتريك General Electric وشبكة التلفزيون الأمريكية (ABN ) وشركة IBM… أما في أوروبا  فيكفي أن نشير الى ثلاث مؤسسات مالية ضخمة تسيطر على الإذاعة والتلفزيون في ألمانيا وهي بنك الاعتماد الفرنسي ودويتشه بنك (الـبـنـك الألـماني) والبنك التجاري الهولندي … إن العلاقة بين المصارف الضخمة والمؤسسات الإعلامية مرتبطة ، إلى حد كبير ، بحجم الاستثمارات في هذا الميدان ، وهذا يفسر بدوره ضخامة حجم المؤسسات المنتجة لوسائل الإعلام .

 

إن الاحتكار هو السمة الرئيسية للنشاط الإعلامي . ففي مجال الإذاعة والتلفزيون والفيديو تشغل شركة “فيليبس”  Phillips  الهولندية المتعـددة الجنسيات  460 ألف موظف وعامل ، وجـنـرال اليكتريك الأمريكية 420 ألفا وشركة “سيمنس”Siemens الألمانية 330 ألفا ، وقد بلغـت أرباح شركة جـنـرال اليكتريك في سنة 2010 وحدها 340  مليون دولار .

 

ولإعطاء فكرة واضحة عن حجم مؤسسات الإعلام نلاحظ أن شبكة التلفزيون الأمريكية (CBS) تشغل وحدها 40 ألفا بين صحفيين ومحررين وفـنـيـيـن وإداريين أما هـيئة الإذاعة البريطانية (BBC) فيزيد عدد موظفيها على 35 ألفا. وفي مجال الصحافة المكتوبة يحصل الشيء نفسه ، إذ تسطر الشركات الاحتكارية المتعـددة الجنسيات على مجمل الصحف اليومية والمجلات الأسبوعية ، ففي المانيا تسيطر مؤسسة اكسيل شبرنيغـر Axel Springer على 64 % من المطبوعات،  وفي بريطانيا يملك إمبراطور الصحافة اليهـودي الاسترالي روبرت مردوخ Robert Murdoch  170 صحيفة ومجلة،  وفي فرنسا تملك أسرة هارسان 20 صحيفة يومية (منها لوفـيغارو وفرانس سوار ) و17 مجلة و24 صحيفة أسبوعية ووكالة إنباء محلية ، وفي هـولندة يمتلك السيد جيبر داسGeber Daas  22 صحيفة يومية .

 

إن الاحتكار في السوق المحلية مرتبط بالسيطرة على السوق العالمية حيث نجد أن 97 %من أجهزة التلفزيون و87 %من أجهزة الراديو و95 %من مصادر الإخبار في دول العالم الثالث مستوردة من “العالم الحر” ، ولا تملك دول الجنوب إلا 5% فقط من إجمالي العقول الالكترونية في العالم ، وبناء على هذه المعطيات يمكننا أن نلاحظ ما يلي  :

 

1 ـ إن الإعلام ، كنشاط اقتصادي،  يساهم في تراكم رؤوس الأموال الغربية ويدر على الشركات الاحتكارية المتعددة الجنسيات أرباحا طائلة تساهم دول العالم الثالث بنسبة 60 %منها ، وقد بلـغـت استثمارات الشركات الأمريكية في العالم الثالث في العام الماضي 9 بلايين دولار

 

2 ـ إن حركة هذا النشاط امتازت بالتطور من القلة إلى الكثرة ، ومن البساطة الى التعـقـيـد ، ومن الاستقلالية إلى الترابط … فالصحافة المكتوبة أصبحت تعتمد على الإعلامية وأصبح بإمكان بعض الصحف أن تطبع وتوزع في الوقت نفسه في أماكن متباعدة من الكرة الأرضية  ، فـصحيفة

 Wall Street Journal التي تعبر عن أراء رجال المال والإعمال ووسطاء البورصة في الولايات المتحدة ،على سبيل المثال ، تـُطبع في كل من نيويورك ولندن وباريس وفرانكفورت وسيئول وسنغافورة وطوكيو … وأصبح التلفزيون قادرا على أن يبث أكثر من خمسين برنامجا مختلفا حسب اختيار المشاهد ، وأصبح سكان آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية يلتقطون البث التلفزيوني المباشر لبرامج التلفزيون الأمريكية أو الأوروبية بواسطة الأقمار الصناعية .

 

3 ـ إن الاحتكار الذي يميز تكنولوجيا الإعلام والاتصال يمتد إلى مؤسسات إنتاج المواد الإخبارية والثقافية ، أي إلى الخطاب الايديولوجي بصفة عامة.

 

والنقطة الأخيرة تقودنا إلى الحديث عن الجانب الثاني للمشروع الإمبريالي في مجال الإعلام ، ألا وهو المضمون حيث توجد دول العالم الثالث في وضع المستقبل غير الفاعل لذلك المضمون .إذ لا بد لها أن تضمن ما استوردته من تجهيزات اذاعية أوتلفزيونية محتوى معينا .وبما أنها لا تملك “الاكتفاء الذاتي ” في إنتاج الفكر والثقافة لأسباب عديدة (لا يتسع المجال هنا لذكرها ) فإنها تجد نفسها مرغمة على استيراد الصحف والمجلات وبرقيات وكالات الإنباء والأفلام والمسلسلات والأشرطة الأجنبية .

 

إن وكالات الإنباء العالمية هي التي تقرر ما يقرأه أو يشاهده المواطن ، وهي التي تقرر أيضا ما ينبغي ألا يقرأ ولا يشاهد  ـ على الأقل في الوقت المناسب  ـ ذلك أنها تلجا إلى أساليب عديدة في توجيه الخبر مثل صياغة العـناوين وتقـديم العناصر الرئيسية في شكل ثانوي والتغـيـيب الكلي لبعض العناصر ، بل وحتى التعـتـيم على بعض القضايا ، الى جانب استعمال عبارات مـعـيـنـة مثل “الإرهابين” لنعـت الثوار المقاتلين من اجل حرية بلادهم واستقلالها .. و”الأقـلية” …و”الأغـلبية” …و “التعاون الاقتصادي” الى آخره… على انه إذا كان بالإمكان مواجهة الإعلام الإمبريالي بإعلام مضـاد يعـتمد الانتقاء والتعـليق ، فان وسائل الدفاع إزاء مضامين الإنتاج الثقافي تبدو محدودة للغاية وذلك للاعتبارات التالية  :

 

1 ـ إن دول العالم الثالث تستورد حوالي 65 % من البرامج والمسلسلات التلفزيونية وغالبية ما تعرضه من  أشرطة سينمائية . فـعلى سبيل المثال لا الحصر استوردت المغرب في العام الماضي  1500 شريطاً واستوردت الجزائر 1000 شريطا ، أما الكويت فاستوردت 600 شريط سينمائي وتلفزيوني .

 

2 ـ  إن هذا الإنتاج في غالبيته يريد التـعـبـيـر عن مجموعة من الأفكار والمواقف ، وبالتالي ينطلق من مجموعة من القـيـم يعمل على توزيعها بأساليب فـنية راقية وبإبداع على مستوى الشكل والصياغة يجعل المتفرج أو المستمع في حالة تقـبل وتجاوب .

 

3 ـ  إن تصنيع الإنتاج الثقافي في الدول الرأسمالية وترويجه جماهيرياً يجعل تكاليفه منخفضة نوعا ما ، وبالتالي فان استيراد شريط سينمائي آو برنامج تلفزيوني غالبا ما يكلف الدولة المستوردة اقل بكثير مما لو فكرت الجهات المحلية فيها بالإنتاج .

 

على ضوء هذه الاعتبارات نفهم كيف تـُقـبـل شعوب العالم الثالث وغيرها على استهلاك أفلام رعاة البقر والمسلسلات الأمريكية وملايين الأشرطة والاسطوانات ، والصور المتحركة ، وكيف تؤثر الإعلانات التجارية لـ “مالبورو”  و “كوكا كولا” وسراويل “الجينز”  في سلوكها الثقافي عبر الاستهلاك ..أليست الإعلانات التجارية هي المحرك الرئيسي في عالم النشاط الاقتصادي ؟

 

إن الممارسة المزمنة لفنون التوجيه الإعلامي ، وتوظيف بعض مسلمات علم النفس الاجتماعي Social Psychology تؤدي إلى تأثيرات لا دعائية ورسم للأطر الفكرية التي يفهم من خلالها المواطن تيار الإحداث العالمية … في كتابه القيم  “أجهزة الإعلام الجماهيرية ” يقول الدكتور ستيوارت هال أن وسائل الإعلام “تشكل أطراً لفهم الإخبار أكثر مما تورد اختبارات يفهمها الناس في إطار موضوعي” . إن التجلي المباشر لهذه الملاحظات هو أننا نواكب بالصورة والتعليق نشاط صانعي القرار السياسي في دول الشمال مما يقربهم إلى نفوس المشاهدين آو على الأقل يـُخـفـض شحنات الغضب والاستنكار إزاءهم …  فصورة “الكنيست” الإسرائيلي ، مثلا،  في حالة نقاش لا يمكن أن يؤدي الا  إلى تكوين انطباع بأن الديموقراطية موجودة فعلا في الكيان الصهيوني ، وفي هذه الحالة تغـيـب الصور والتحقيقات عن القمع الوحشي الذي يتعرض لـه الفلسطينيون في الوطن المحتل  .

 

ان الدول الامبريالية تـُحسِّن باستمرار إستراتيجيتها الإعلامية وذلك عن طريق البحث العلمي والميداني انطلاقا من معاينة الجمهور وتطلعاته وخصائصه الثقافية . ولـذلك ليس من الغريب إن نلاحظ أن الإدارة الأمريكية قامت في السنوات الخمس الأخيرة بإعداد دراسات ميدانية عن الصورة النمطية Stereotype  للولايات المتحدة الأمريكية في أوساط الشباب الهـنـود ، وعن هوايات الطبقة المتوسطة في أمريكا اللاتينية ، وعن عادات القراءة لدى الشباب اليونانيين . وغنيّ عن البيان إن نتائج مثل هذه الدراسات والأبحاث الميدانية هي التي يتم توظيفها عملياً في البث الإذاعي والإرسال التلفزيوني . وليس من قبيل الصدفة  أن تـُخـصص الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وهي التي تملك 90 % من موجات البث العالمية ، أقساما خاصة للتجمعات السكنية والاقتصادية الهامة في العالم تبث إليها قيم “الديموقراطية ” و “الحرية” التي يمارسها “العالم الحر”.

 

في مقال له في صحيفة  Die Welt am Sontag”دي فيلت أم سونتـاغ” يؤكـد الباحث السويسري الدكتور باتريس بارا انه لا توجد موضوعية في ميدان الإعلام ، فخلف كل خبر تختبئ إرادة سياسية وحتى ألان فان غالبية شعوب العالم الثالث هي “ضحية إرادة سياسية غايتها الهيمنة” …  وما دام تحرر الشعوب يعني خلق توازن جديد وأوضاع جديدة فان الإعلام في العالم الثالث هو مسار تحرري لا يمكن عزله عن الروابط الاجتماعية سواء كان فـنا آو لغة آو ثقافة آو هوية آو شرعية آو ايديلوجيا . إن الإعلام يجب أن يرتبط بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية ووسائل هذه التنمية هي ،أولا وقبل كل شيء ، الإنسان … وما دام المواطن مقـموعا بواسطة الإعلام السائد المعتمد على التعـتيم والتكرار والخزعـبلات فان طاقات الخلق لديه تبقى مكبوتة … إن الإعلام الوطني يجب أن يساعد المواطن على اكتشاف مختلف دوائر محيطه (العائلة ،المؤسسة ،المجتمع ) ومختلف مكوناته وفهم ارتباطات تلك المكونات من اجل العمل على تغيرها نحو الأفضل .

 

إنَّ  الحديث عن الإعلام والتنمية والتربية وحق المواطن في إعلام نزيه وفعال يعني بالضرورة الحديث عن نظام دولي جديد . إن قيمة الإعلام ليست مرتبطة اليوم بالسيطرة الاقتصادية وبخدمة الدول الاستعمارية والشركات الاحتكارية المتعددة الجنسيات فحسب بل وأيضا بالإستراتيجية العسكرية للدول الكبرى … ولعل أفضل دليل على ذلك هو الحرب التي شنتها الولايات المتحـدة الأمريكية ضـد العراق ،  ودور الأقمار الصناعية الأمريكية في تحديد مواقع القوات العراقية و توجيه القاذفات والبوارج الأمريكية  لقصف هذه الأهداف . فالمقدرة العسكرية لكل بلد لم تـعـد تحسب بعـدد الجيوش وكثرة العـتاد فقط ولكن أيضا بإخضاع رقعة الصراع لوسائل المراقبة الالكترونية وأجهزة الرادار التي تحملها الأقمار الصناعية . وهكذا يتبين لنا كيف أن الإعلام أصبح عنصرا ضروريا في معادلات الهيمنة للدول الكبرى وركيزة خطيرة في إستراتيجيتها الاقتصادية والسياسية والعسكرية والثقافية ، الأمر الذي يطرح بإلحاح على دول العالم الثالث التنبه إلى قيمة الإعلام وضرورة استعماله كسلاح من أسلحة التحرر الوطني ، والانعـتاق الاجتماعي .

 

إن أول معالم المشروع الوطني في ميدان الإعلام لا بد ان ينطلق من تصور خاص لمفهوم الإعلام ووظيفته … ففي الدول الرأسمالية ، وبخاصة في الولايات المتحدة ، يعتمد الاتصال على ترويج قوالب جاهزة وتنمية العديد من القيم المرتبطة بمصالح رأس المال ، والى التأثير في سلوك الأفراد والمجتمعات بوسائل الدعاية اللينة والناعمة Soft Propaganda ، ذلك انه رغم تعدد وسائل الاتصال البشري وتنوع مضامينها فإنها تلتقي عند حد ادنى وهو المحافظة على المصالح الإمبريالية،  لذلك فان كل مطالبة بإقامة نظام إعلامي جديد لابد أن تكون متكاملة مع المطالبة بنظام إعلامي دولي جديد ،كـتـقـيـيـد للمشروع الإمبريالي…

 

 وبعـد ؛

 

لا يكفي أن نصرح بان 90%من الإخبار العالمية تمر عبر نيويورك ولندن وباريس حيث تتم صياغتها وإعادة صياغتها حسب اعتبارات صحفية وسياسية ، ولا أن نشتكي من النقـص الكمّي والنوعي للإخبار في دول الجنوب ، ولا أن نـدعوا للحذر من الشعارات (“التدفق الحرّ للإخبار”)

لأنها تخفي إرادة لمواصلة هيمنة وكالات الإنباء ومحاولاتها الدائمة للسيطرة في غياب التكنولوجيا في دول الجنوب ، بل علينا أن ننتقل من واقعنا الذاتي المتميز بارتباط وسائل الإعلام بالسلطة وأهوائها ، وبحرمان الكثير من الشرائح الاجتماعية من حقها في التعبير وإبداء الرأي .

مؤسسة النور للثقافة والإعلام

 

الخبر اليمني/أبجدية

الخبر اليمني على التواصل الإجتماعي
الوسوم