منوعات

هل مهنتك تسبب السرطان؟

ربما يبدو السؤال غريباً للوهلة الأولى! وما علاقة المهنة أو مجال العمل بخطر الإصابة بأي مرض.. ومرض السرطان تحديداً؟

لكن ربما يبدو السؤال منطقياً أكثر إذا علمنا أن الأشخاص الذين يمتهنون مهنة معينة، يتميزون عن غيرهم بأنهم يتعرضون بشكل يومي لمجموعة من المتغيرات والعوامل في بيئة العمل، والتي قد تكون سبباً في حدوث مرض السرطان، عكس أقرانهم ممن لا يمتهنون نفس المهنة، فإنهم قد يتعرضون لنفس العوامل أيضاً، ولكن ليس بنفس القدر من التكرار والتركيز.

إذن الإجابة على السؤال هي: نعم .. هناك علاقة بين بعض المهن التي يمتهنها الإنسان وبين زيادة خطر الإصابة بالسرطان.

ونظراً لسهولة تحديد مجال العمل لكل مريض يعاني من مرض السرطان، كان من السهل دراسة العلاقة بين المهن المختلفة ونسبة حدوث السرطان. وهناك العديد من الدراسات التي أثبتت وجود علاقة بين بعض المهن وزيادة حدوث أنواع معينة من السرطان، مثل سرطان الرئة والغشاء البلوري، سرطان المثانة، سرطان الجلد، سرطان الحنجرة، وغيرها من الأنواع.

وكما أسلفنا، فإن العلاقة بين مجال العمل وزيادة خطر الإصابة بالسرطان، تأتي من خلال ارتباط مجال العمل بزيادة نسبة التعرض لأنواع معينة من المسرطنات. 

على سبيل المثال:
1- التدخين
يزداد خطر الإصابة بسرطان الرئة لدى الأشخاص الذين يعملون في الأماكن المغلقة والتي تزداد فيها نسبة التدخين، مثل البارات والمطاعم، وكذلك مكاتب العمل التي لا تضع حظراً على التدخين داخلها. 

ولا يشترط هنا أن يكون الشخص المعرض للإصابة بالسرطان مدخناً، فيكفي أن يتواجد في نفس المكان مع مدخنين بشكل دوري ولفترات طويلة، وهو ما يعرف بـ”التدخين السلبي”. وقد أثبتت الدراسات أن خطر الإصابة بسرطان الرئة يزيد عند الأشخاص الذين يعيشون بشكل دائم مع مدخنين بنسبة تصل إلى 30%، مقارنة بأقرانهم ممن لا يعيشون بشكل دائم مع مدخنين.

2- الأسبستوس (Asbestos)
كما يأتي على رأس قائمة المواد المسرطنة والتي ترتبط بكثير من المهن، مادة الأسبستوس، والتي كانت ومازالت تستخدم بشكل كبير في صناعات مختلفة مثل: صناعات الإسمنت، السفن، مواد العزل، مكابح السيارات، سخانات الماء، مواسير الماء الساخن، وكثير من المواد التي يتم تصميمها من أجل تحمل درجات الحرارة العالية. 

ومازالت أيضاً مادة الأسبستوس تستخدم في عزل البنايات كالمنازل والمدارس والمكاتب، إلا أنها لا تمثل خطراً صحياً في حالتها الصلبة كجزء من تكوين البنايات أو الأجهزة الكهربائية أو المعدات المختلفة. 

ولكن تأتي خطورتها عند إزالتها من هذه الأماكن وتطاير الغبار الناتج عن ذلك واستنشاقه، لذلك تمثل هذه المادة خطراً صحياً على العاملين في مجموعة من المهن المختلفة مثل: عمال مصانع الإسمنت، مصانع السفن، البنائين، الميكانيكيين، وكذلك عمال المصانع التي تستخدم هذه المادة في كثير من الصناعات الأخرى. 

أما عن نوع السرطان الذي تسببه هذه المادة، فهو سرطان الغشاء البلوري، المعروف باسم الميزوثليوما (Mesothelioma)، حيث تزيد نسبة حدوث هذا المرض بشكل ملحوظ في المناطق الملوثة بهذه المادة، مثل المناطق التي توجد بها مصانع للإسمنت، خصوصاً بالنسبة للعاملين في هذه المصانع بشكل خاص. 

ما يميز هذا النوع من السرطان أن الإصابة به قد تحدث بعد سنين طويلة من التعرض لهذه المادة، والتي قد تبلغ نحو العشرين عاماً أو يزيد.

3- الفورمالديهايد (Formaldehyde)
كذلك من المواد المسرطنة التي ترتبط ببعض المهن، مادة الفورمالدهيد، وهي مادة عضوية ذات رائحة مميزة، وتستخدم في بعض المجالات المهنية مثل: معامل فحص الأنسجة، تعقيم الأدوات المستخدمة في المستشفيات والمعامل، كذلك لحفظ الجثث والتحنيط. 

وبالتالي تعاني بعض المهن المرتبطة بهذه الاستخدامات من زيادة خطورة الإصابة بالسرطان نتيجة استنشاق هذه المادة بشكل متكرر من دون أخذ الاحتياطات الوقائية اللازمة. 

وتوجد مادة الفورمالدهيد أيضاً في دخان السجائر، وتمثل خطراً على المدخنين، إلى جانب خطر المواد المسرطنة الأخرى في دخان السجائر.

4- مادة السيليكا (Silica)
من المواد المسرطنة أيضاً والمرتبطة ببعض المهن والصناعات، مادة السيليكا، والتي تتواجد بشكل طبيعي في الرمال والصخور، حيث يؤدي زيادة نسبة التعرض لهذه المادة إلى زيادة نسبة خطر الإصابة بسرطان الرئتين. 

ومن الفئات التي تتعرض بشكل أكبر لهذه المادة، هم هؤلاء الذين يعملون في مهن مثل: صناعة الزجاج، السفن، السيراميك، حفر الأنفاق، خطوط السكك الحديدية، وكذلك المزارعين في بعض المناطق التي تزداد فيها نسبة هذه المادة.

5- الصبغات
كذلك يتعرض العاملون في مهنة صبغ الشعر والأقمشة إلى زيادة خطر الإصابة بسرطان المثانة البولية، نتيجة تعرّضهم بشكل كبير لأنواع من الصبغات تحتوي على مواد مسرطنة، كذلك الحال بالنسبة للعاملين في تصنيع هذه المواد. 

6- المبيدات
كذلك الحال بالنسبة للمزارعين الذين يتعرضون بشكل متكرر وبنسبة عالية للمبيدات المستخدمة في مجال الزراعة للقضاء على الآفات الزراعية، حيث يتعرض هؤلاء لزيادة خطر الإصابة ببعض سرطانات الدم والليمفوما أكثر من غيرهم.

7- الفيروسات
أما بالنسبة للعاملين في المجال الصحي، فهم عرضة أكثر من غيرهم للإصابة بالعدوى الفيروسية التي تنتقل عن طريق الدم الملوث. ومن أنواع الفيروسات التي ترتبط بحدوث بعض أنواع السرطان: فيروس الكبد الوبائي سي، والذي قد يؤدي إلى الإصابة بسرطان الكبد على المدى الطويل، وكذلك فيروس HIV، والذي قد يؤدي إلى مرض نقص المناعة المكتسب، أو ما يعرف بالإيدز، والذي قد يتسبب بدوره في بعض أنواع السرطان.

هنا يأتي السؤال الأهم.. هل بالضرورة زيادة خطر الإصابة بالسرطان لدى كل العاملين بهذه المهن؟ وما هو السبيل للوقاية من حدوث المرض إذا كان الشخص يعمل في أحد هذه المجالات؟

الإجابة على السؤال الأول هي: لا.. ليس بالضرورة زيادة خطر الإصابة بالسرطان لدى العاملين بهذه المهن، طالما تم اتخاذ الإجراءات الوقائية والاحتياطات اللازمة لذلك!

أما السبيل للوقاية فهو يبدأ دائماً من الوعي الصحي بوجود المشكلة، وإثارة الانتباه إلى ضرورة اتخاذ الاحتياطات الوقائية في بيئة العمل، واتباع الإرشادات الخاصة بالسلامة المهنية وارتداء الملابس الوقائية وأدوات العمل المناسبة لكل مهنة. 

ويأتي بعد ذلك ضرورة الكشف الدوري على العاملين في هذه المهن، وتلقي العلاج اللازم والدعم الغذائي والدوائي المطلوب، وهناك دائماً مجموعة من التشريعات الخاصة بسلامة بيئة العمل لدى كل دولة، وتختلف من بلد إلى بلد، على الرغم من أنها مازالت لا تكفي بالشكل المطلوب لضمان بيئة عمل آمنة تماماً.

د.محمد حسن/صحتك

الخبر اليمني على التواصل الإجتماعي
الوسوم