أقلام

هذا ما كتبه الأديب الساخر محمد الماغوط قبل 30 عاما عن التطبيع

محمد الماغوط:

منذ أن صوبت اسرائيل إلى العرب بأنظمتهم اليمينية واليسارية على حد سواء أول مدفع وأول كمبيوتر وأول طائرة بدون طيار، وصوب العرب اليها أول انقلاب وأول ميكروفون وأول انسان دون فك لأنه يميني ودون أضلاع لانه يساري.

ومنذ أن استقلت الدول العربية عن الاستعمار وعن شعوبها في نفس الوقت، واحتكرت السلطة فيها الفكر والسياسة والاقتصاد والعلم والمعرفة والأدب والفن والرياضة والثروة المعدنية والبشرية والحيوانية، وجردت الانسان من أي قيمة أو فعالية أو حافز، وتركته عارياً بثيابه الداخلية سياسياً وثقافياً وتاريخياً واقتصادياً بالطبع أمام العالم أجمع.

وكل طرف يحمل الآخر ما جرى ويجري في المنطقة.

 

 

 

فاليمين يضع اللوم على اليسار.

 

واليسار يضع اللوم على اليمين.

 

وأمريكا تضع اللوم على روسيا.

 

وروسيا تضع اللوم على أمريكا.

 

 

 

والانسان العربي الذي يعيش مثل “الأطرش بالزفة” بالنسبة لكل ما جرى ويجري في المنطقة، يضع يده على خده ويتربع أمام شاشة التلفزيون وأمامه علبتا كلينكس، واحدة على اليمين للأنظمة اليمينية، وواحدة على اليسار للأنظمة اليسارية، ويبدأ من النشيد إلى النشيد:

 

 

 

آه من هذا المسلسل، وآه من هذه المسرحية.

 

آه إذا هرب لص، وآه اذا قبض على قاتل.

 

آه من حرب حزيران، وآه على حرب تشرين.

 

آه لزيارة السادات للقدس، وآه لعودته منها.

 

آه لاستعادة سيناء، وآه لاحتلال لبنان.

 

آه لحريق المسجد الأقصى، وآه اذا احترقت الطبخة.

 

 

 

ومن قبل:

 

قيس يبكي ليلي.

 

وليلى تبكي قيساً.

 

عنترة يبكي عبلة.

 

وعبلة تبكي عنترة.

 

وعبد الله الصغير يبكي الأندلس.

 

وأبو سلمى يبكي فلسطين.

 

وسعيد عقل يبكي لبنان.

 

ولبنان يبكي الجنوب.

 

والجنوب يبكي المقاومة.

 

والمقاومة تبكي العرب.

 

والعرب يبكون مصر.

 

ومصر تبكي الجميع.

 

 

 

آه كم ظلمنا فريد الأطرش واستهنا بآهاته وشهقاته ودموعه. انه الوحيد الذي سبق جميع الاحزاب والمفكرين والمستشرقين العرب والأجانب في فهم النضال العربي سياسياً واجتماعياً وتاريخياً وايديولوجياً، وأدرك موازين القوى التي تتحكم بنتائجه ومستقبله أكثر من جميع مراكزالدراسات الاستراتيجية في العالم، وذلك عندما قضى حياته آهة آهة ودمعة دمعة. فقد كان بحق “كيسنجر العرب” طوال ربع قرن ونحن لا ندري.

 

 

 

ولذلك علينا أن نرد له اعتباره، ونعيد تقييم أغانيه ومواويله وآهاته. ونعلق صوره في مقر الجامعة العربية. ومجلس الدفاع المشترك، وخنادق المقاومة، وقاعة مؤتمر خلدة، ومنظمة أوبيك، ومكاتب البعثات الديبلوماسية في الأمم المتحدة، وان نستفيد من خبرته ونستلهم أسلوبه في مواجهة الأحداث والتعامل معها.

 

 

 

فمن الآن فصاعداً.

 

 

 

على كل مذيع عربي أن يبدأ نشرة الأخبار … بآهة وينهيها… بموال.

 

 

 

وكل سفير معين حديثاً لدى دولة أجنبية، فور الانتهاء من تقديم أوراق اعتماده ومن تبادل الكلمات حول تطوير العلاقة بين البلدين والتعاون المشترك لاحلال السلام في المنطقة، عليه أن يشهق وينخرط في البكاء.

 

 

 

وكل عاشق، فور أن يلتقي بحبيبته ويبثها ما عنده من أشواق وأحلام بتأسيس بيت وتكوين أسرة يرفرف عليها الحب والهدوء والاستقرار، عليه أن ينخرط في البكاء.

 

وكل مدير مدرسة فور توزيع شهاداته على الخريجين وانتهائه من تقديم نصائحه وتمنياته لهم بالنجاح والتوفيق في حياتهم العملية لبناء وطن حر مستقل، عليه أن ينخرط هو وبقية الاساتذة في البكاء.

 

 

وكل رئيس وزراء جديد: فور الانتهاء من تلاوة بيانه الوزاري ومن تعهده بإرساء القواعد الديموقراطية، وتمتين الجبهة الداخلية والحفاظ على حقوق الشعب الفلسطيني وتحرير كافة الاراضي المحتلة.. وتوجيه التحية لشهدائنا الأبرار، عليه أن ينخرط وأعضاء وزارته في البكاء.

 

ووسط هذا البحرالمتلاطم من الدموع ما زال الاعلام العربي يؤكد لنا يوماً بعد يوم أن المستقبل مشرق في المنطقة، ولكنه لم يوضح أبداً، اذا كان مشرقاً لنا أم لاسرائيل؟

 

فلتتدفق الدموع من العيون، والدماء من الجراح، حتى تصل إلى ركب السائرين كالكشافة وراء فيليب حبيب وغيره. فلن يتوقفوا أو يتراجعوا. ولن يستقر لهم رصيد في بنك. أو فرو على كتف. أوراقصة في ملهى، أو كافيار على مائدة، أو سيكار في فم، أو شاليه في منتجع، حتى تذاع أغنية “ختم الصبر بعدنا بالتلاقي” من اذاعة اسرائيل واذاعات المنطقة في وقت واحد.

 

 

 

ومع ذلك لا شيء ينفجر حتى الآن من المحيط إلى الخليج سوى اسطوانات الغاز.

 

 

ولكن الضفاف لا تجري

 

 

لم يعد خافياً على أحد أن صمت الطناجر البخارية في معظم مطابخ الوطن العربي وامتناعها عن الصفير في الوقت الراهن ما هو إلا نوع من الاحترام والتهيب أمام صفير الطنجرة الكبرى في المنطقة وتصاعد البخار من فوهات مدافعها وميكروفوناتها عما قريب، بعد أن أخذ المدعوون يتسابقون إلى المائدة وكل منهم يحمل صحنه وشعاراته بيده.

 

وانه على الرغم من ملايين الاقدام الفتية التي تدق كعوبها على الأرض العربية صباح مساء فلا شيء يدب عملياً على طريق التحرير سوى عكاز بسام الشكعة.

 

وان ازدحام السجون العربية بالمناضلين والأبرياء الذين يدقون رؤوسهم بالجدران والأبواب المغلقة دون جدوى يعني أن الترجمة العملية للاءات الخرطوم هي: لا صلح، لا اعتراف، لا مفاوضات مع الانسان العربي.

 

وأنه لو حلت الآن بالمنطقة وبالعالم أجمع أفدح المصائب القومية أو الجغرافية أو المصيرية، فان المواطن العربي – رداً على هذا المصير الذي آل إليه – لم يعد يقفز إلى بندقية ليحارب أو إلى الشارع ليتظاهر، أو حتى غلى السطوح ليتفرج، بل إلى آلة الجيب الحاسبة ويحسب:

هل تؤثر على تجارته إذا كان تاجراً؟

أو على محصوله إذا كان مزارعاً؟

أو على شهرته إذا كان كاتباً؟

أو على اعلاناته إذا كان صحافياً؟

أو على امتحاناته إذا كان تلميذاً؟

أو على ترفيعه إذا كان موظفاً؟

 

فاذا كان الجواب: “لا” فكل شيء على ما يرام. السماء صافية، والنسيم عليل، ولا ينقصه إلا وصلة غنائية أو مسرحية فكاهية ليقلب على قفاه من الضحك والانشراح وخلو البال.

وبناء على ما تقدم، فان المبعوث المتجول فيليب حبيب لا يسعى من خلال زياراته المتلاحقة للمنطقة، واجتماعاته الدائمة مع هذا وذاك إلى اعداد الترتيبات اللازمة لانسحاب القوات الاسرائيلية من لبنان، أو لإيجاد الحلول العادلة لقضية العرب الكبرى. بل لاعداد الترتيبات اللائقة بجنازة العصر. لها ولعدالتها، مع الاهتمام بأدق التفاصيل والاجراءات المتعلقة بها وبجلال مظهرها مثل:

*من يعلن الوفاة رسمياً ومتى؟

*ومن سيعزي بها؟

*ومن سيقبل التعازي؟

*ومن سيبكي بصمت؟

*ومن سيغمى عليه عند الدفن؟

*وبماذا سيغطى الضريح الطاهر؟ بأغصان الريحان أم بأغصان الأرز أم بأغصان النخيل؟

 

فهذا زمن الاتفاق على كل شيء.

ولكنه ليس زماني، فأنا كالخيزران … أنحني ولا أنكسر.

فحتى لو رأيت المشيعين والموقعين بأم عيني يمسحون حبر التواقيع عن بصماتهم بالجدران وثياب المارة.

ولو انتشرت سياط التعذيب على حدود الوطن العربي كحبال الغسيل.

وعلقت المعتقلات في زوايا الشوارع والمنعطفات كصناديق البريد.

وسالت دمائي ودموعي من مجارير الأمم المتحدة.

 

فلن أنسى ذرة من تراب فلسطين، أو حرفاً من حروفها، لا لأسباب نضالية ووطنية وتاريخية بل لأسباب لا تزال سراً من أسرار هذا الكون كإخفاقات الحب الأول! كبكاء الأطفال الرضع عند الغروب.

 

لقد رتبت حياتي وكتبي وسريري وحقائبي منذ الطفولة حتى الآن، على هذا الأساس. فكيف أتخلى عن كل شيء مقابل لا شيء. ثم انني لم أغفر ضربة سوط من أجل الكونغو.. فكيف من أجل فلسطين؟

 

ولذلك سأدافع عن حقدي وغضبي ودموعي بالأسنان والمخالب.

سأجوع عن كل فقير.

وسأسجن عن كل ثائر.

وأتوسل عن كل مظلوم.

وأهرب إلى الجبال عن كل مطارد.

وأنام في الشوارع عن كل غريب.

لأن اسرائيل لا تخاف ضحكاتنا بل دموعنا.

ولا بناء من عشرة طوابق بل شاعراً يكتب في قبو.

ولا تخشى وحدة بين مصرفين بل بين جائعين.

ولا اتحاداً بين نظامين بل بين شعبين.

ولا القمم العالية بل ما يتجمع حولها في الوديان.

ولقد يكون هذا الزمان هو زمان التشييع والتطبيع والتركيع، زمن الأرقام لا الأوهام والأحلام. ولكنه ليس زماني. سأمحو ركبتي بالممحاة، سآكلهما حتى لا أجثو لعصر أو لتيار أو مرحلة. ثم أنا الذي لم أركع وأنا في الابتدائية أمام جدار من أجل جدول الضرب وأنا على خطأ. فهل أركع لبيغن أو لسواه أمام العالم أجمع بعد هذه السنين، وأنا على حق؟

 

إني لست مخلصاً لوطني وعروبتي وأناشيدي المدرسية وحسب بل إنني مخلص حتى لسعالي.

ولن أيأس، ولن أستسلم ما دام هناك عربي واحد يقول: “لا” في هذه المرحلة ولو لزوجته.

الخبر اليمني على التواصل الإجتماعي
الوسوم