أبجدية

«أتذكّر السياب…»

 صبحي حديدي:

حين كتب محمود درويش قصيدته «أتذكّر السياب»، التي سوف تُنشر في مجموعته «لا تعتذر عمّا فعلت»، 2004؛ كانت تتنازعه عوامل عديدة؛ على جري عادته في معظم ما صار يكتبه بعد قصائد أيقونية، لكنها وليدة برهة تاريخية فارقة، مثل «أحمد الزعتر» و«مديح الظلّ العالي» و«بيروت»، ثمّ «هدنة مع المغول أمام غابة السنديان» و«أحد عشر كوكباً على آخر المشهد الأندلسي» و«خطبة «الهندي الأحمر» ــ ما قبل الأخيرة ــ أمام الرجل الأبيض»، وسواها، في سنوات لاحقة.

قصيدة السياب كُتبت ضمن شقيقات لها، شاء درويش تخصيصها للاحتفاء بشعراء (السياب، أمل دنقل، سليم بركات)؛ وأمكنة (تونس، الشام، مصر، فلسطين/ القدس والجليل، طريق الساحل)، وخيارات فنية (الإيقاع، الشعر والتاريخ، الواقعي والخيالي، كيمياء القصيدة، المنفى)…

كان لافتاً أيضاً، في المجموعة ذاتها، أنّ درويش صدّر قصيدة «السروة انكسرت» بسطر من أحد أبرز شعراء قصيدة النثر العرب، الراحل بسام حجار، الذي كان على قيد الحياة يومذاك؛ يقول: «السروة شجن الشجرة وليس الشجرة، ولا ظلّ لها لأنها ظلّ الشجرة». وفي قصيدته «وصف الغيوم»، ذهب درويش إلى الشاعرة البولندية شيمبورسكا، فاستشهد بهذه السطور: «لِوَصف الغيوم/ عليّ أن أسرع كثيراً/ فبعد هنيهة لن تكون ما هي عليه/ ستصير أخرى». وكان، إلى هذا، قد صدّر المجموعة باقتباسين من أبي تمام («لا أنتَ أنتَ ولا الديـــارُ ديارُ»)، ولوركا («والآن، لا أنا أنا/ ولا البيت بيتي»)؛ أسماهما «توارد خواطر، أو توارد مصائر»؛ الأمر الذي سجّل، في إحصائي الشخصي، المجموعة الأكثر احتشاداً بالشعراء على امتداد أعمال درويش المنفردة.
غير أنّ قصيدة «أتذكّر السيّاب» اتصفت بسلسلة سمات لم تفردها عن قصائد الشعراء الأخرى في المجموعة، فحسب؛ بل لعلها انفردت أيضاً بموقف إنساني وجمالي وأخلاقي، وأكاد أقول: سياسي، من العراق؛ البشر والبلد والتاريخ، في برهة فارقة صنعها الاجتياح الأمريكي عام 2003 على وجه التحديد. «عراقُ، عراقُ، ليس سوى العراق…»، كتب درويش وهو يضع المكان في فضائه السومري الذي فيه «تغلبت أنثى على عقم السديم»؛ وعلى أرضه لم يجد السياب الحياة بين دجلة والفرات، ولم تراوده عشبة الخلود مثل جلجامش، ولم يأخذ الشرائع عن حمورابي… ثمّ هذه الخلاصة الأخاذة الصاعقة:
أتذكّر السياب… إنّ الشعر يولد في العراق
فكُنْ عراقياً لتصبح شاعراً يا صاحبي!»
والحال أنّ تثمين درويش العالي لمنجز السياب الشعري معروف، للقاصي والداني كما يُقال؛ وليس هنا مقام العودة إلى أقواله حول مكانة السياب في المشهد الشعري العربي الحديث والمعاصر. ما تضيفه «أتذكّر السياب»، في هذا الصدد، هو تبيان انحياز درويش إلى العراق كموطن للشعر؛ بالقياس إلى تعبيرات أخرى تخصّ مراكز الشعر العربية في مصر ولبنان وسوريا، على سبيل الأمثلة. صحيح أنّ الشعر يولد في أيّ مكان، وهذه خلاصة بسيطة متفق عليها، غنيّ عن القول؛ إلا أنّ إبرازها ضمن الصيغة اللاحقة في السطر الثاني، تقطع شوطاً دراماتيكياً لجهة توصيف امتياز العراق كمقام يلد الشعر والشعراء. في الوسع، هنا، اقتباس ما يقوله درويش عن شاعر عراقي كبير آخر، هو سعدي يوسف: «إذا كان صحيحاً أنّ في داخل كلّ شاعر مجموعة شعراء ــ كما يقول أوكتافيو باز ــ وأنّ النصّ هو محاورة مع نصوص أخرى، فإنّ سعدي يوسف كان أحد الشعراء الذين درّبني شعرهم على التنقيب عن الشعري في ما لا يبدو أنه شعري، وأغراني بمقاومة الإغراء الإيقاعي الصاخب، وبالاقتصاد في البلاغة».
وفي مناسبات شتى، أُتيح لي أن أناقش بعض الديناميات الكبرى التي رسّخت قصيدة السياب في الذائقة الشعرية العربية، منذ مطالع الستينيات وحتى يومنا هذا؛ بينها، أوّلاً، براعة الراحل في تحقيق حقق درجة عالية من التوازي، والتوازن، بين المستوى السطحي للغة، أي الحركة الصرفية للكلمات ضمن نسق محدد؛ وذلك المستوى الداخلي الخاص من الإحساس ــ الغامض والمألوف، في آن معاً ــ بوجود رسالة دلالية مستترة أو خفية، سواء في المفردة الواحدة، أو في أنماط تجاور عدد من المفردات. ثمة، ثانياً، انقسام معجم القصيدة إلى تراكيب شعرية وأخرى نثرية (وهو التقسيم الذي لا يمكن إلا أن يكون شكلياً)؛ يجعل من الصعب العثور على الخطّ الفاصل بين تركيب نثري يصرّح، وتركيـب شعـري يوحي؛ بين جملـة نثرية يشطبها المعنى فـور أدائها له، وأخرى شعرية تتنامى بفعل ما تصنعه من إيحاءات وأحاسيس. على صعيد الإيقاع كان السياب دائب البحث عن تنويعات لحركة التفعيلة الواحدة، أو التفاعيل ذات المقاطع المتساوية؛ واجتهاداته في ذلك اكتسبت حيوية خاصة لأنها أمدّت التراكيب النثرية بطاقة إيقاعية تعددية.
وشهر كانون الأول، الذي حثّ هذه السطور، يظلّ سيابياً بامتياز: في 25 منه، سنة 1926، ولد ابن جيكور والبصرة والخليج؛ وفي 24 منه، سنة 1964، رحل في الكويت؛ غريباً، عليل الجسد، شاعر النفس والمسامّ والأعصاب، يتذكّر العراق:
«ومنذ أنْ كنَّا صغاراً، كانت السماء
تغيمُ في الشتاء
ويهطل المطر
وكلَّ عام ـ حين يعشب الثرى ـ نجوعْ
ما مرَّ عامٌ والعراق ليس فيه جوعْ
مطر …
مطر …
مطر …».

الخبر اليمني على التواصل الإجتماعي
المصدر
القدس العربي
الوسوم