أقلام

شمسان المؤذن

عمر القاضي:

يذهب شمسان إلى حمامات الجامع للوضوء قبل موعد أذان الظهر بنصف ساعة. طبعاً أنا كنت متأكداً وأيضاً أغلب أبناء القرية يشاركونني تأكيدي بأن شمسان لم يذهب للوضوء مبكراً قبل موعد الظهر، إلا من أجل أن يمرر شيئاً في هذا الفرض. 

كان بعد أن يكمل الوضوء في حمامات الجامع، يحاول أن يوهم من ينظرون إليه أنه لن يتجه إلى الجامع مباشرة، يحاول التملص في الأنحاء المجاورة للجامع حتى يقترب موعد الأذان. لا تكاد تمر سوى لحظات حتى يعود شمسان ليباغتهم بخطوات سريعة لاقتحام الجامع وصولاً إلى المنبر والسيطرة على (المايك) الذي يؤذن فيه مؤذنو قريتنا الصغيرة.
قبل أن يفتح (المايك) ويؤذن، يتراجع شمسان للتأكد من الوقت، ومن ثم يضغط على مفتاح (المايك)، ويبدأ الأذان.
جميع أبناء القرية يعرفون صوت شمسان ما إن يبتبت بتلك الكلمات التي يبتبت فيها أي مؤذن قبل الأذان. ويبدأ يطلق صوته القوي الذي يملأ كل زوايا القرية. لكنه بسرعة متفانية يمرر كل تكبيرات الأذان من أجل الوصول إلى (حي على خير العمل)، كان يكررها بعض الأحيان من مرتين إلى ثلاث أو أربع مرات، متلذذاً باستفزاز أبناء القرية الذين يقاطعون عبارة (حي على خير العمل) دوماً بإغلاق التيار الكهربائي، باعتبار أن الكلمات هذه تابعة للشيعة، وبمفهوم القرية الوهابي البسيط بأن من يقول هذه الجمل بالأذان هو شيعي ولا تجوز صلاته ولا أذانه مطلقاً.
عندما يسمع أبناء القرية صوت شمسان، يهرول الكل كباراً وأطفالاً من أجل الوصول إلى المنبر وإطفاء التيار الكهربائي على شمسان قبل أن يقول (حي على خير العمل). وقد توفقوا كثيراً في البداية، وأغلقوا عليه التيار الكهربائي حتى تجاوز (حي على خير العمل) من دون أن يسمعها أبناء ونساء القرية في الميكرفون، ثم يفتحون التيار من أجل سماع بقية الأذان الذي يعتبرون أنه ليس مضراً على ثقافتهم الوهابية.
لقد شاهدت شمسان الرجل الستيني وهو يتعارك مع عدد من أطفال القرية الذين حاولوا أن يغلقوا عليه التيار عندما كان يؤذن، ويترك المايك والأذان وهو يلاحق أبناء القرية وسط الجامع، مطلقاً عليهم الشتائم والسب والمايك مفتوح، حتى إنه ذات مرة سمع جميع أبناء القرية كل السب والشتائم التي كان يطلقها شمسان على أطفالهم الوهابيين. إلا أن نساء القرية لم يصمتن حيال ذلك، وقد سمعت أن أغلبيتهن ردت على شمسان من جوار أبواب منازلهن: (يانا شتت بك واشمسان). وبعد أن يكون قد تخلص من الأطفال الوهابيين، يعود لإكمال الأذان من المنتصف، وأحياناً يعيده من البداية، وكل ما يهمه هو الاستبسال من أجل أن يقول (حي على خير العمل). وإذا فشل من إنجاز هذه المهمة الصعبة في بيئة وقرية كل أبنائها مشقرون بالوهابية التي رضعوها منذ الطفولة، يشعر أن الجميع انتصر عليه، ولن يطعم قاته، ولن يتفق مع أحد حتى نهاية اليوم. بالإضافة إلى ذلك أطفال القرية وكبارها سيعيشون انتصاراً، وسيسخرون منه حتى وقت العشاء.
من شدة هذا الصراع والمشادات الكلامية، حاول شمسان أن يغير خطته ليسبق الجميع في الحضور إلى الجامع، ويغلق الباب على نفسه حتى يتمكن من إكمال الأذان بحرية، ويقول (حي على خير العمل) أربع مرات، حتى الشيعة أنفسهم لا يرددونها كما يرددها العم شمسان، وإنما القهر والصراع هو ما أرغمه على أن يربعه، ولا يكتفي بذلك، بل سعى إلى أن يمدد انتصاره في الأذان أكثر، لقد بدأ ذات مرة يضيف إلى نهاية الأذان المعتاد عبارة جديدة على دين القرية المعتاد، وهي (أشهد أن علياً ولي الله)، وكررها أربع مرات. حتى انقلبت القرية رأساً على عقب، الجميع جرى نحو الجامع محاولين إيقاف شمسان من الأذان، لكنه قد أكمل الأذان كعادته وباب الجامع مغلق عليه. وبعد أن أغلق المايك سمع صراخ أبناء القرية من خارج الجامع قبل أن يفتح الباب لهم. حاول أن (يشقصهم) من إحدى النوافذ، فشاهد أغلب أبناء القرية كباراً وأطفالاً محتجين على ما ردده في الأذان. تخيلوا ماذا فعل شمسان حيال ذلك؟! أعاد الأذان مرة أخرى وقال (حي على خير العمل) أربع مرات و(أشهد أن علياً ولي الله) حوالي ثلاث مرات. وأنهى الأذان وأغلق المايك، وذهب ليفتح باب الجامع للوهابيين الذين كانوا يوبخونه ويصبون الشتائم عليه من خارج الجامع عبر النوافذ المغلقة، هذا قبل أن يفتح لهم الباب.
وعندما ينتهي من الأذان يفتح شمسان الباب لهم، ويستقبلهم بضحكة عريضة كمنتصر رغم السخط و(الدلقصة) التي يحصل عليها. إلا أنهم رغم كل ذلك لا يستطيعون أن يضروه، ومن يحاول فعل دلك فشمسان يعرف كيف يوظفها ويستغلها، طبعاً لديه إعاقة في يده اليسرى يحملها منذ أعوام عندما أصيب في حادث وهو يسوق سيارته في خط الحوبان.
شمسان وشخص آخر فقط شيعيان في قريتنا والمديرية بالكامل. وشمسان الوحيد الذي يصارع سكان المديرية في السوق بالتربة بالحسين وعلي، وينهي آخر معركته في منبر القرية. بينما الشيعي الآخر لا يصطدم معهم كثيراً. ويعرف أن لا جدوى لمثل هذه المهاترات والصراعات معهم.
لن تصدقوا بعد كل هذا الصراع أين ذهب شمسان المؤذن الشهير بعبارة (حي على خير العمل)! عندما التقيت به في القرية قبل حوالي عام، توقعت أنه مع اقتراب اللجان الشعبية والجيش حاملين راية علي والحسين الثورية التي صارع شمسان لأجلها سنوت طويلة، توقعت أن يتم تعيينه مؤذناً للقرية. لكن للأسف لم أتوقع شمسان يقول (شكراً سلمان)، ويبتهج لما تمارسه الجماعات الوهابية من حقد على تعز. شمسان في كل زاوية يفرز الآخرين بأنهم حوثيون، لم يعد ينكسر ويحزن لأنه لم يقل (حي على خير العمل)، أصبح لا يفضلها، ويرفضها حرفاً وكلمة وديناً. شمسان ينام على تصريح كاذب لمرتزق يعمل لدى السعودية، ويستيقظ ليبرر مجزرة ارتكبها العدوان.
آه.. تمنيت لو كنت حتى أحد معارضيك عند الأذان، لكن كنت مبتهجاً لما تقوم به من باب التنوع في الأذان، وحزين جداً لما أسمعه منك وعنك يا مؤذن قريتنا بـ(حي على خير العمل).. خرب شمسان.
الخبر اليمني على التواصل الإجتماعي
المصدر
لاء ميديا
الوسوم