أبجدية

راقب كيف نموت

عمار الشامي:

راقب كيف نموت.. بكثرة نموت.. ونعلن وفاة أحد أحبائنا في الفيسبوك وندعو الجميع لمشاطرتنا أحزاننا خلال الجنائز ومقايل العزاء ونسمي كل ذلك حزناً.

راقب كيف نتساقط ولا نجد الفرص لنودع بعضنا، ونموت فارغين خالين تماماً من كل ذكرى، لا نحس بأي شيء غير أنّا لا نحس كما يقول صديقي أسعد محسن.. ونموت أخيراً، بعد شوط طويل جداً من الحياة نسينا خلاله أن المرء لا يعيش سوى مرة واحدة.

مرة واحدة فقط، الفكرة مرعبة أقسم بالله، الحياة التي ألِفناها، وأمضينا فيها أوقاتاً جيدة، لا نعيش فيها غير مرة واحدة، ثم نرحل فجأة.

خلال السنوات القليلة الفائتة ودّعت أمواتاً كثر أحبهم، وفي جنازاتهم جميعاً بكيت أمام الجميع ولم أتمالك حزني..
ودّعت جدتي لأمي ولم أفكر يوماً في أنها قد تموت.. نسيت الموت، ونسيت أن الأحياء يموتون، والموتى يزهرون.. ثمة وجع يتمدد داخل ثوب الصلاة، ووجوه ذابلة في الصور المنطوية على الجدران، ووسائد محشوة بكوابيس اليقظة، وكرسي أحدب يتألم كلما اتكأت عليه، وباب وحيد لا يؤدي إلى شيء.
ودّعت ابنة خالتي التي قتلها السكري فعاشت هي في ضمائرنا ومتنا نحن أصحّاء خائبين.. ماتت مضيئة بعد أن ذبلت كالشمعة، وكانت صغيرة على القبر، ووحيدة، تحمل في قلبها إلى الأموات ١٨ ربيعاً فقط، وتودعنا صامتة ومغمضة العينين وكأنها لا تملك الوقت كي تلقي علينا النظرة الأخيرة، وتقول لنا شكراً للطفكم أيها الأحياء المثيرون للشفقة.. لمياء كانت معنا تصرخ وتتألم.. تعيش لتموت.. وفجأة صارت تحت التراب في مكان آمن نخافه جميعاً.
ودّعت عمي الطبيب الذي نجا بنفسه من مرض مزمن اسمه الحياة، وهضمه الوطن الذي سلبه اللصوص والأثرياء. وودّعت خالي بمرثية شعر بدائية، ومع ذلك لم ينهض ليصفق لي مثلاً أو يصفعني لقاء أخطائي اللغوية الفادحة، ومنذ مات وأنا أكتب شعراً كئيباً.
ودّعت أصدقاء أعزاء فجأة، وودّعت أشياء كثيرة فجأة، وأعرف كيف يكون واجب الوداع: أتمنى رؤيتك حين أموت.

الخبر اليمني على التواصل الإجتماعي
الوسوم