أبجدية

النجاة من لائحة مظفر النواب

باسل طلوزي:

في تكرار الشائعات عن رحيل مظفر النواب، أحبس أنفاسي دومًا، خشية أن يرحل هذا الشاعر من دون أن يشطب اسمي من لائحة “أولاد القحبة” التي افتتحها في سبعينيات القرن الماضي، لتضم كل من تواطأ على حشر زناة الليل في حجرة القدس ليغتصبها، ثم راح يطلب منها أن تكفّ عن الصراخ خلال حفلات الاغتصاب التي كانت تقام على “شرفها”.
والحال أنني، منذ تلك الأمسية البيروتية التي افتتح فيها النواب عصر البذاءة الشعرية، بمفرداته المستمدة من غضب الشارع العربي، شعرت أن لائحته الماكرة لا تقتصر على الأنظمة العربية وحسب، بل تشمل كل من يلوذ بالصمت، حيال نكبات الأمة، وفي مقدمتها قضية فلسطين بالطبع. وفي مثل هذه الحالة، لن تنجو من تلك اللائحة حتى الشعوب ذاتها إن آثرت الاستكانة لمعطيات الاستبداد، واختارت “الفرجة” سبيلًا واحدة للتفاعل مع الأحداث. ومن هذا المنطلق، شعرت بأنني معنيٌّ، شخصيًّا، بإثبات براءتي أمام مظفر النواب، بمحاربة هذه الأنظمة وفضحها، والمطالبة بتغييرها مهما فدح الثمن.
يحسب لمظفر النواب أنه كان يتقن فن “الصدمة” التي لا تترك مجالًا للتأويل، مثلما يُحسب له أنه جعلنا نقبل المفردة الشعرية البذيئة، من دون أن نحتجّ، أو نبدي معارضةً أخلاقية عليها، لأنه كان يأتي بها عبر تصاعد درامي، ليضعها في ذروة الحدث الشعري، لتصبح في مكانها تمامًا، فيجعلنا نسبقه إلى قولها، لو لم يسبقنا إليها هو بنفسه، ومن ثم نصفّق له، على الرغم من أنه يديننا نحن أيضًا، فنسخر معه علينا. ولا غرو أنه أصبح مدرسةً في هذا الفن تأثر بها شعراء كبار، أيضًا، مثل نزار قباني الذي خاطب تونس قائلًا: “في عصر زيت الكاز/ يطلب شاعر ثوبًا/ وترفل بالحرير قحابُ”، وكذلك محمود درويش في عبارته: “ونشخّ على تمثال أمريكا.. نشخّ مزيكا”. ولعل السؤال المشروع هنا: لماذا نقبل المفردة البذيئة في القصيدة، ونرفضها في النثر مثلًا؟ أظنه سؤالًا سيظل معلقًا، ولربما يُعزى السبب إلى طبيعة الشعر نفسه الذي يسوّغ للشاعر ما لا يسوّغه لغيره.
عمومًا، رحل الشاعر مظفر النواب أو لم يرحل، لن ترحل لائحته، وسيبقى ذاك الغريب الصادم، الذي قضى جل حياته بين السجون والمنافي، من دون أن يهنأ بلحظة سكينة واحدة، لأنه آثر أن يسلك درب المواجهة المباشرة مع أنظمة الزيف والخداع، فلم يهادن ولم يتملّق أحدًا، فكان رأسًا مطلوبًا في معظم العواصم العربية. وفي المقابل، كان رأسًا مرفوعًا عند الشعوب العربية برمتها، التي كانت تتداول أشرطة أمسياته الشعرية كالمنشورات السرية، وتحفظها عن ظهر قهر؛ لأنه كان ناطقًا شعبيًّا بغضبها على هذه الأنظمة. وأراهن أن من سيحمل نعشه هي الشعوب ذاتها؛ ذلك أن الأنظمة ستشعر بانزياح عبءٍ ثقيلٍ عن صدرها برحيله.
كتب كثيرًا، وغنّى على أوتار عوده كثيرًا، غير أن قصيدته “القدس عروس عروبتكم” ظلت الأزيد تداولًا وحفظًا، ربما لأنها مثلت نبوءةً لأزمنة مقبلة عشناها معه، سيما في هذه المرحلة التي تستقبل فيها القدس، حاليًّا، أضخم موجاتٍ من “زناة الليل”، من دونالد ترامب وإيفانكا، ومن سفاراتٍ تفتتح، واعترافاتٍ مجنونة بها عاصمة للكيان الصهيوني، إلى “زناةٍ عربٍ” يأتونها بذريعة الصلاة في “أقصاها”، فيما الهدف فتح باب التطبيع مع “مغتصبها”.
لن يرحل صاحب “أفل الليل، وقبرك في الأفق الشرقي يوازي الشم / يوازي همسات السعف/ وثمّة طير منكفئ تدفعه الريح/ ورأسك في الطين البارد، ترتاح إلى حجر أرحم من هذي الدنيا وسفالتها/ فالعالم آلة إيذاء”. وسيّان إن تنبأ مظفر النواب أو لم يتنبأ بمصير لائحته، غير أن المؤكد أنها باتت أزيد اتساعًا، بعد أن أتخمت بأسماء وحشود مهولة من “الزناة”. أما الشاعر نفسه فسيتركنا، دومًا، معلقين أمام لائحته السوداء، حتى نجتاز اختبار البراءة أو الإدانة: “إما أن تقارع زناة الأنظمة العربية فتنجو، أو أن تستكين لها، فيهجوك مظفر النواب وأنت تضحك”.

الخبر اليمني على التواصل الإجتماعي
المصدر
العربي الجديد
الوسوم