أقلام

المساعدات الأميركية وآفاق السلام

علاء الترتير:

عندما أُبرمت اتفاقات أوسلو، ساد التفاؤل بأن الإسرائيليين والفلسطينيين سوف يجدون السلام معًا. ولدعم العملية، تعهَّد المانحون الدوليون، تحت راية القيادة الأميركية، بتقديم تمويل سخي لمشاريع التنمية الفلسطينية، لبناء مؤسسات الدولة الفلسطينية المستقبلية. وتم ذلك على افتراض أن المعونة تستطيع، بوجود هذه المؤسسات، أن تحفِّزَ الاقتصاد الفلسطيني على النمو، وتمنح الفلسطينيين عائدًا من “عوائد السلام” يشجّعهم على إقامة السلام مع إسرائيل.
وثمّة سوابق لنموذج “عوائد السلام” هذا في سياسة الولايات المتحدة التي يعود تاريخها إلى عقد السبعينيات على الأقل، حين تبنت إدارة كارتر مقاربةً غير مسيَّسة، تفترض أن الفلسطينيين “السعداء” المستقرّين في وظائفهم، والخاضعين لهيكل إداري فاعل، سوف يرغبون في التفاوض على التسوية في ظل الاحتلال.
وفي عقد الثمانينيات، حاولت إدارة الرئيس ريغان إيجاد حل سلمي بترويج القضايا الاقتصادية، بدلا من التسوية السياسية، فطرحت الولايات المتحدة مبادرةً بعنوان “نوعية الحياة”، سعت من خلالها إلى تعزيز المصالحة السياسية بين إسرائيل والفلسطينيين، من خلال الإغراءات الاقتصادية المفصولة نظريًا عن السياسة.
وبعدها، عملت إدارتا جورج بوش الابن وأوباما مع الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة الفلسطينية، وموّلت جهود تطويرها، في عهد رئاسة محمود عباس المدعوم غربيًا، لفرض السيطرة على المراكز الرئيسية للسكان الفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة. وكان يُؤمل، على الصعيد الرسمي، أن إسرائيل، في حال شعرت بالأمن بعد الانتفاضة الثانية، سوف ترغب في اتخاذ خطواتٍ لرفع القيود المفروضة على الفلسطينيين، من أجل إعادة إحياء عملية أوسلو.
وعليه، ظلت الولايات المتحدة الأميركية منذ بداية عملية أوسلو للسلام عام 1993 أكبر دولة مانحة للمعونة للفلسطينيين، ولا يسبقها إلا الاتحاد الأوروبي بدوله الأعضاء مجتمعةً، فقد أنفق المانحون مجتمعين ما يربو على 35 مليار دولار معونة للفلسطينيين منذ 1993. ووفقًا لبيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، أنفقت الولايات المتحدة وحدها قرابة 7.3 مليارات دولار على المعونة الفلسطينية بين عامي 1993 و2017.
ولكن، تعد المساعدة الأميركية هذه ذات طبيعة إشكالية، فهي لا تقوم على مبادئ إنسانية إيثارية، أو على أسس محايدة لبناء السلام، بل ينبغي النظر إليها من منظور العلاقة الوثيقة والحميمة بين الولايات المتحدة وإسرائيل، فقد ساهمت منذ 1949 بما لا يقل عن 134 مليار دولار (من دون حساب التضخم) معونة رسمية إلى إسرائيل.
ووفرت الولايات المتحدة لإسرائيل الغطاء الدبلوماسي، بالتصويت ضد قراراتٍ مهمة في الأمم المتحدة، بخصوص الاحتلال ومعاملة إسرائيل للفلسطينيين، وفقًا للقانون الدولي. هذا الأمر إشكالي للغاية، لأن البديهية تقتضي من الجهة المانحة العاملة في دولةٍ هشّةٍ ومضطربة أن تتصرّف بأكبر درجة ممكنة من الحياد، لكيلا تسبب الضرر جرّاء المساهمة في إذكاء العوامل التي يمكن أن تزيد الأوضاع سوءًا، بيد أن الولايات المتحدة، بوصفها دولة مانحة، فعلت العكس تمامًا.
وفي المحصلة، لم يستفد الفلسطينيون من المعونة، بل أصبحوا معتمدين عليها. وفي الوقت نفسه، حققت المعونة فوائد ملموسة للحكومة الإسرائيلية، فقد أعفتها من تكاليف الاحتلال، لأن المانحين لا يمانعون في سداد فواتير الخدمات الفلسطينية، مع سماحهم، في الوقت نفسه، لإسرائيل باستغلال الاقتصاد الفلسطيني الذي ظل موسرًا في معظم الأحيان بفضل المعونة. ولهذا السبب، عبرت المؤسسة الأمنية الإسرائيلية عن امتنانها للمعونة المقدّمة للفلسطينيين، بل ومارست الضغط السياسي من أجل استمرارها.
وبالتالي، هناك زلل كثير يشوب المساعدة الأميركية للفلسطينيين، حتى من دون تحرّي طُرق إنفاق المعونة المقدمة من الوكالة الأميركية للتنمية الدولية، مثل إعطاء عشرات ملايين الدولارات في شكل منح إلى مقاولين أميركيين من القطاع الخاص ممن لهم سجلات مشينة في سوء الإدارة والإخفاق والفضائح.
وفي المحصلة، قد يساعد رفض المعونة المقدمة من الوكالة الأميركية للتنمية الدولية في تقليص النفوذ الأميركي الذي يعد أمرًا محمودًا، بالنظر إلى الانحيازات الأميركية والفشل الكارثي في  بناء السلام تحت قيادتها. وربما يفضي حتى إلى نشوء مقاربة جديدة نحو بناء السلام، مقاربة تترك إسرائيل لتتحمل العبء الكامل لتكاليف حُكم الفلسطينيين في الأرض الفلسطينية المحتلة.
بهذه الطريقة، يمكن اعتبار إغلاق مشاريع الوكالة الأميركية للتنمية الدولية وعملياتها خطوةً في الاتجاه الصحيح نحو بناء السلام القائم على حقوق الإنسان والقانون الدولي، بالتزامن مع ترك نموذج أوسلو المحتضر منذ زمن، لكي يلقى حتفه، فقد كانت تمثل الوكالة الأميركية للتنمية الدولية أيضًا عنصرًا أساسيًا في استراتيجية المعونة الأميركية ذات الصبغة الأمنية التي تطورت على مدار ربع قرن، بهدف تهدئة الفلسطينيين واحتوائهم والسيطرة عليهم في ظل الاحتلال، بل وتجريم مقاومة الفلسطينيين الاحتلال بذريعة بناء السلام.
يبقى التحدّي، إنْ كان بمقدور الفلسطينيين انتهاز فرصة إغلاق مشاريع الوكالة الأميركية للتنمية الدولية وعملياتها، لإعادة النظر في مقاربتهم إزاء المعونة الدولية، والحرص على ألا تستأنف هذه الوكالة عملها في المستقبل بحرية، من دون إخضاعها للمساءلة أمام الشعب الفلسطيني، ومن دون إلزامها بالشروط الفلسطينية بشأن تقديم المعونة.
لكن حتى ذلك الحين، يجب أن يحرصَ الفلسطينيون، وبشكل عاجل، على إغلاق الباب أيضًا على المنسق الأمني الأميركي، والاستماتة في سبيل مقاومة كل المساعي للإبقاء على تدخل المنسق الأمني الأميركي وعملياته. فقد آن الأوان للاعتراف بأن إغلاق الوكالة الأميركية للتنمية الدولية لن يساعد الفلسطينيين فحسب، بل سيكون أيضًا وسيلةً لبناء سلام حقيقي مستقبلًا.
الخبر اليمني على التواصل الإجتماعي
المصدر
العربي الجديد
الوسوم