أقلام

مشروع الدولة بين الحوثيين ، والمنشق والشرعية

منى صفوان:

مازال اليمن بامس الحاجة  لمشروع فكري نهضوي ، يعمل على ايقاض الروح الوطنية، ويحرر اليمن وقرارها السياسي من عقود الاستبداد الداخلي، والاستعباد الخارجي، ويواجه مشاريع الامبرالية الغربية – الصهوينة وادواتها العربية، ويحفز القيم الايجابية، ويقضي على نواة الصراع القبلي، ويحيي قيم القبيلة الايجابية والوطنية، ويجفف مساحتها الاقطاعية والبرجوازية، لصالح قيم العدالة والمواطنة المتساوية.

خاصة بعد سقوط كل المشاريع الفكرية، والسياسية التي سيطرت منذ منتصف القرن الماضي، من مشروع اليسار التقدمي العلماني، الى القومي العروبي، مرورا بحركات الاسلام السياسي من الاخوان المسلمين الى الحركات الجهادية المتطرفة.

فقد سقطت هذه المشاريع اخلاقيا قبل ان تسقط سياسيا “التقارير الدولية تتحدث عن انتهاكات ضد الانسانية تقوم بها في مناطق سيطرتها”  كما انها سقطت في فخ العمالة للخارج، او التبعية غير المشروطة، ورهنت قرار اليمني السياسي للخارج

فاصبحت الدولة اليمنية بشكل وشخصيتها القانونية مرتهنة بيد عصابة ، مكنت القوى الخارجية منها، كما انها اوجدت مساحة للصراع القبلي المتجذر في قيم المجتمع القبلي، واصبحت حاضنا شعبيا للارهاب والجماعات المتطرفة خارج اطار القانون، بما يقوض الاسس المستقبلية لتكون الدولة  الحديثة.

ان الصراع هو صراع مشاريع فكرية، وليست فقط  ترسانة عسكرية، ومقاتلين، ومنذ نشأتها لم تجد الحركة الفكرية للحوثيين ما يصدها ويمنع انتشارها، وهنا ننوه الى ان جميع من انشقوا عنها، سواء من اطارها الفكري او السياسي الوظيفي اكتفوا بدور المناهض للحركة دعائيا ، وعجزوا  على احياء مشروع سياسي وفكري مناهض.

فسواء من انشق من الاسماء والاوزان الكبيرة فكريا ، او حتى من انشقوا من الاسماء خفيفة الوزن السياسي، عادوا للعب دور الترويج للحركة ، وهنا تصبح البروبجندا ايضا دعاية لصالح الجماعة، ومشروعها لانها لا تقدم البديل، وهو ما جعل القبائل اليمنية تتحالف مع الحركة الحوثية بوصفها حركة شعبية تقدم البديل عن سقوط مشروع الدولة السياسي والفكري، خاصة بعد تعرض العشائر الصغيرة لحلقات ظلم متوالية من رؤوس المشايخ والنظام الاقطاعي، فوجدت فيها المتنفس للتعبير عن الغضب و”الثورة” على النظام الاقطاعي الفاسد.

فالحركة الفكرية مازلت في طرحها البدائي الجاف، ولم تستطع احياء افكار خارج النسق التقليدي ، وهذا شكل مساحة خصبة لانتشار المنهج الحوثي الذي لم يصل هو الاخر الى حالة النضج السياسي والفكري، ولكنه  اصبح راس حربة في مواجه المشروع الغربي في اليمن والمنطقة.

و يؤخذ على هذه الحركة احتكارها للسلطة، ورغبتها في ذوبان الجميع فيها، وخلال مدة قصيرة نسبيا اصيبت بكل امراض السلطة من الفساد، الى سوء استغلال النفوذ، الى القمع والانتهاكات، وصولا الى تهميش المخالفين لها. وهي تحمل بذور فنائها داخلها ، ان توقفت حركتها الفكرية، ولم تستطع هي الاخرى الذوبان في مشروع الدولة اليمنية الحديثة.

في المقابل فان المعسكر المقابل، لم يقدم بديلا محترما للراغبين بالانشقاق عن الحوثيين، فنجد ان المنشق في احسن الاحوال يتحول الى مهنة “الارتزاق السياسي” ويجد نفسه في خندق واحد مع الجماعات الارهابية المتطرفة.

ويصبح “المنشق ”  كل راس ماله انه كان قريبا من الجماعة ، وقد لا يفاخر بشيء الا انه كان مقربا منها، سواء من انشقوا قديما عن المؤسس حسين الحوثي ، او حديثا ممن انشقوا عن حسين العزي ممن جرى توظيفهم واستثمار نشاطهم لصالح انتشار الحركة.

فاصبحت دعاية الخصوم  تثيرالشفقة، السخرية والاستهزاء، ولم يعد لها تأثير وهذا يتضح من انصراف الالة الاعلامية الحوثية عن اهدار الوقت في الرد عليها، فهذه الدعاية التي تقوم على التسفيه الشخصي، بدون عمق او فكرة تقدمها، او مشروع سياسي تروج له، اصبحت تقدم اكبر خدمة للحوثيين الذين يصرفون طاقتهم في تطوير مهارتهم السياسية وقدراتهم العسكرية، ومشروعهم المستقبلي.

فما يغذي الدعاية ضد الحوثيين هي الاحقاد الشخصية والرغبة بالانتقام والثار الشخصي، وليس الحس الوطني، لذلك فهي متهمة بالعمالة والارتزاق، لذلك كانت الرياض هي المرفأ الذي استقبل مراكب الفارين، ولعل اخرهم تم ضربه بالحذاء علنا، بما يشي بحقيقة عدم احترام من لا يملك مشروعا ، فيكون  دائما  اداة لخدمة مشاريع الاخرين، في اي موقع كان مع او ضد الحوثيين.

ووسط هذه الضرب المهين، تسقط مشروعية ومشروع الدولة، التي يحتاجها اليمن، بان يتحول الى كتلة من العصبيات القبلية المتنافسة الى امة، والى مؤسسة حكم، لها اسس قانونية. وهي المشروع الذي ينتظره غالب اليمنيين.

فما هو المشروع الذي قدمته “الشرعية” واحزابها، وهي تواجه مشروع الحوثي

هل قدمت نموذجا للدولة المستقلة المستقرة، دولة القانون والمساواة، هل قدمت الدليل على استحقاقها ومشروعيتها، هل نسفت قاعدة الحوثيين الاجتماعية والفكرية، ام اكتفت ان تكون رد فعل لها، لا تتحرك بعيدا عن دائرة الحوثيين، بان يختصر كل جهدها الفكري بنسف الحجج الفكرية للحوثيين، و تحاول تفنيد ما تقوم به، وتقلل من حجم ما تقدمه، دون ان تقدم بالمقابل فكرة او مشروع عملي يقضي على مشروع الحوثيين.

فلقد اعلن الحوثيون عن استمرار تطوير ترسانتهم العسكرية، التي تواجه تحالف عسكري عالمي، واعلنوا انهم قادرين على ضرب عواصم العدوان في العمق الحيوي، في المقابل يشكو المعسكر المقابل من استهداف حليفهم السعودي لهم، وانهم غير قادرين على التحرك سياسيا بعيدا عن قراره.

وكثفت الحملة التي تتهم الحوثيين باستنادهم على ايران في تطوير اسلحتهم ، في المقابل لم يستطع المعسكر المقابل الاكتفاء ماليا وعسكريا، وان يستند على السعودية والامارات او امريكا في تطوير ترسانته،  التي تعتمد على اسلحة التحالف السعودي 100% ويمكن ضربهم ان تحركوا بدون تنسيق مع قيادة العمليات في الرياض.

فيما يمكن للحوثيين اتخاذ قرارهم العسكري دون الرجوع الى طهران، وقدموا بذلك نموذج الحليف الندي وليس التابع المنصاع.

ان المعسكر المناهض للحوثيين كما يلاحظ المراقب السياسي، واجهوا مشروع الحوثيين بالعنصرية، واحياء النعرات الطائفية والمناطقية والسلالية، وبالتعبية للقرار الخارجي، وبتأسيس مهنة الارتزاق السياسي، فقدموا للحوثيين اكبر خدمة في نشر مشروعهم والترويج له، حيث تحرك الحوثيون في المساحة الوطنية الخالية، وجذبوا اليهم اليمنيين من مختلف الانتماءات العرقية والقبلية والمذهبية وحتى المناطقية.

في حين كان على مشروع “الشرعية”  تقديم البديل الافضل، الذي سيجعل الجميع ينفض من حول جماعة الحوثيين، وهذا ما تخشاه حركة الحوثي، ان يظهر مشروع وطني يعتز بالسيادة اليمنية، لا يقوم على الارتزاق السياسي، وليس عنصريا، ويحيي القيم الايجابية ويوظف القبيلة في دورها الوطني، وينتصر للمفاهيم الحضارية للمجتمع اليمني، وبدون ذلك ستبقى حركة صعده هي المؤثرة وهي الفعل، والمركز الذي يستقطب الجميع، حتى ممن لايؤمنون بمشروع الحوثي الفكري، ويختلفون معه، ولايمكنهم الذوبان فيه، ويبقى قدرة الحوثيين على الاستمرار هو تطوير منهجهم الفكري والسياسي، والذوبان في مشروع الدولة المفقود او “اليوتويبا اليمنية”.

الخبر اليمني على التواصل الإجتماعي
الوسوم