أقلام

التحالف وخطوات البريطاني

د. أحمد باحارثة

حذو القذة بالقذة يتبع ما يعرف بالتحالف في حضرموت سنن البريطانيين من قبلهم والتي ساروا عليها أثناء هيمنتهم على الإدارة الحضرمية في المكلا وسيوون عند نهاية ثلاثينيات القرن المنصرم، ثم أضافوا إليها ما هو أسوأ بما يميز الفكر الأعرابي عن السمة الحضارية للمستعمر الأجنبي.

فإذا بدأنا بحرص التحالف على محدودية التسليح والمستوى القتالي للتشكيلات العسكرية التي أسسها بحضرموت، متعهدين شفاهيًا بوعود أعرابية على الحماية ضد أي قوة قد تعتدي عليها تحت أي ذريعة، ومن ثم تحقيق المراد بإبقاء حضرموت والجنوب عامة في عوز دائم للنصير العربجي كحماية، أو لدى تنفيذ يعض عملياته التي يغلب عليها الطابع الأمني.

ومن قبل كان بعض نخب حضرموت قد شكر للإنجليز تنظيمهم وحدات عسكرية لحفظ الأمن والنظام، ومن بينهم المؤرخ محمد عبد القادر بامطرف، لكنه رأى أنهم “لم يكملوا جميلهم هذا؛ لأن تلك الوحدات، رغم بسالة رجالهـا وإخلاصـهم لوطنهم، لم تعد إعدادًا كـافيًا للمـحافظة على الأمن والنظام محافظة فعَّالة بدون استعانة خارجية من الإنجليز”.

واليوم يصدح غربان هذا التحالف على مسامع المواطن المسكين بالتغني بفرض الأمن والأمان السائد في المناطق المحرحرة، بينما يرزح مواطنوها تحت حرارة انقطاعات الكهرباء المتكررة، والوقوف تحت الشموس الحارة في طوابير الغاز الذي افتقدوا اللقمة الحارة بغيابه، وخلت جيوبهم بسبب تحرير الصرف، ومن ثم صار المواطن حائرًا في فهم مقصد التحرير الذي يمن به عليه التحالف وقواه المحلية في حضرموت.

وهو نفس ما أنكره بعض مثقفي حضرموت في حقبة الوجود البريطاني ومن ذلك قول بامطرف: “لعله غاب عن أصدقائنا الإنجليز أن المحافظة على الأمن والنظام لغرض الأمن والنظام فقط فكرة بالية جدًا، وإنما يكفل الأمن والنظام في أي بلاد العدل الاجتماعي والسياسي والرخاء الاقتصادي”.

ومن الخطوات التي اقتفى أثرها التحالف في تأسيسهم لما يعرف بجيش النخبة الحضرمية هو دفع المرتبات بعملته الخاصة، ومن ثم غرس الولاء المزدوج بين أفراده بين الولاء للمول الأجنبي ومقتضيات الولاء للواجب للوطن الذي يحمل صفته، وهو ما يذكر بما كان يسمى بجيش البادية الحضرمي، الذي وإن كان قد حمل الصفة الحضرمية إلا أنه ظل تمويله والإشراف عليه من خارج إطار حكومته الشرعية أو المحلية، فكانت بريطانيا هي من تموله، وهي من تلقي إليه التوجيهات في جميع تحركاته بما يخدم الوجود البريطاني ومصالحه بحضرموت، ومن ثم صار ولاؤه الحقيقي لها.

وكذلك يبدو الاقتفاء من حيث العناصر الاجتماعية المكون منها ذلك الجيش أو تغلب عليه، فواضح أن جيش النخبة تغلب عليه العناصر البدوية من الشرائح الاجتماعية الحضرمية ولاسيما ذات المنبت الشرقي، وهو ما يذكر بصنيع البريطان حين أسسوا الجيش الحضرمي سعت إلى هيمنة سكان البوادي عليه وكان أول مقر له في المنطقة الشرقية وتحديدًا في مدينة غيل بن يمين التي هي عاصمة المديرية التي تهيمن اليوم ليس على الجيش وحسب بل كذلك على عامة المفاصل الأمنية والإدارية والسياسية ولاسيما في ساحل حضرموت.

ولم ينس التحالف ملمحًا آخر حساسًا اقتبسه من خطوات البريطان وهو الظهور بمظهر المنقذ والحامي، الإنقاذ من الاحتلال الشمالي/ اليمني، والإنقاذ من المليشيات الحوثية الطائفية، والإنقاذ من الجماعات الدينية المتطرفة، وهكذا هلم جرا، فبريطانيا أتت بنية الحماية، والتحالف أتى بنية الحماية، وإنما الاحتلال بالحمايات، فصار التحالف هو الفارس وهو الحارس منذ فجّر عاصفة مارس.

والناس بطبيعتهم الطيبة أو ربما الساذجة سواء عامتهم أو نخبهم صدقت تمامًا كما كانت نظرة الشعب في حضرموت إزاء استعانة حكومته بالإنجليز، كما وصفها المؤرخ بامطرف، وعللها بقوله:

“لقد رأينا في بداية عهد التنظيم الاستشاري البريطاني في الدولة القعيطية كيف كان الناس مطمئنين إلى، وواثقين في، الإدارة البريطانية، وذلك بعد عهود الظلم والظلام اللذين قاسوهما على أيدي بعض الحكام الحضارم.

وحينما ظهرت الإدارة البريطانية بحضرموت على حقيقتها، وحصر رجالها أعمالهم في السباحة على شواطئ الساحل الحضرمي، وإقامة الولائم، ونثر الوعود الكاذبة في كل اتجاه، واستقبال وتوديع كبار الرسميين البريطانيين، الذين يأتون إلينا زاعمين أنهم مهتمون بشئوننا، والحقيقة أنهم يأتون إلى حضرموت للاستحمام، والتفرج على الحضارم المهضومي الحقوق، ثم يذهبون يتجشأون ويثنون على الطباخين الحضارم، وعلى طريقة الأكل بالأصابع على الأرض الصلبة، نقول حينما انقلبت الإدارة البريطانية إلى كل هذه التوافه، ووقفت من الأماني القومية الحضرمية موقف الاستهجان، والإهمال، واللامبالاة، ضاق الحضارم بكل شيء بريطاني، وأصبحوا ينظرون إلى العلم البريطاني (رمز الوجود الاستعماري البريطاني بحضرموت)، وكأنه طالع شؤم ونحس يخفق في الأفق الحضرمي”، تمامًا كما صار الناس ينظرون اليوم لأعلام التحالف وللوحات الحاملة لصور رموزه، ولسانه حاله يقول: “منذ ظهرت العقال طاشت العقول”.

والخطوة المبرطنة الأخيرة التي نشير إليها أن الغاية الأولى التي دفعت لكل تلك اللعبة الأممية التي تدور رحاها في البلاد بإشراف التحالف هو حماية دولها من اليمن وفتوحاتها من ناحية، ومن قبائل الجنوب وطموحاتها من ناحية أخرى، وهنا نختم بقول الباحث البريطاني هيكتبوتام في كتابه (عدن) الصادر 1958 حيث يقول:

“كانت دوافعنا غاية في الأنانية، واصطبغت تصرفاتنا كلها بذه الصبغة، لقد كان الغرض الأساسي من معاهدات الحماية هو الحماية من اليمن، ذلك في ما يخص القبائل، أما فيما يخصنا نحن فلقد كان الغرض هو حماية أنفسنا من اليمن، ومن القبائل أنفسهم”.

أي أن الغاية لكل تلك الهلمة وهذه الغمة هو أنه لليمن التهديم، وللجنوب التحجيم، ومن ثم رمي الجميع إلى الجحيم، ونعوذ بالله من الشيطان الرجيم.

الخبر اليمني على التواصل الإجتماعي
الوسوم