أقلام

الجزائر والخيارات الضيقة

تعيش الجزائر وضعا مهترئا على الصعيد السياسي والاقتصادي ،وتعود أسباب ذلك إلى طبيعة النظام السياسي نفسه ،الذي لم يعمل على إعادة بناء على المستوى السياسي والاقتصادي ،وقد أدى غياب الديمقراطية والحريات والشفافية في أعمال المؤسسات ،وغياب الفصل بين السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية ،إلى زيادة الصراعات والمواجهة بين جماعات القوى داخل السلطة ،خلال العقود الأربعة الأخيرة ،،وإلى تغذية أزمة الثقة التي تعمل على تقويض النظام الجزائري بشكل تصاعدي ،قبل أن يُزعزعه انفجار الوضع السياسي والاجتماعي في نهاية التسعينيات .
بحسب الدكتور عبد الحميد براهيمي ،في كتابه (في أصل الأزمة الجزائرية 1958-1999م ،الصادر عن مركز دراسات الوحدة العربية 2001م –فإن وصول الجيش ونفوذه على الجانب الأمني ،مع وصول زروال إلى رئاسة الجمهورية عام 1994م ،قد جعل كفة الجيش هي الراجحة والمسيطرة ، في حين أن الجيش في عهد بومدين كان محيدا عن السلطة ،ويعمل وفق ما هو محدد له من أهداف في الميثاق الوطني.
وإذا كان الرئيس بومدين قد استفاد من الضباط الذين كان يطلق عليهم (الفارون ) من خدمة الجيش الفرنسي في عهد الاستعمار ،ويلتحقون بجيش التحرير ،وبعضهم التحق بالجيش بعد نجاح الثورة ،هؤلاء الفارون اشتغلوا بهدوء ،وراكموا سلطتهم بشكل تدريجي ،وبدعم فرنسي ، وما أن توفي الرئيس بومدين عام 1978م ،حتى اختل التوازن الذي كان يمسك به بومدين ، فبدأ الصراع والتنافس على خلافته بين بوتفليقة المقرب لبومدين ،والمقرب لفرنسا كذلك ،وبين محمد صالح يحياوي بتوجهه الإسلامي ،فكانت التسوية بتجميد وترحيل الثنائية الضدية ،وذلك بالإتيان بمرشح تسوية ،هو العقيد الشاذلي بن جديد ،قائد الناحية العسكرية الثانية (وهران).
الشاذلي بن جديد كان يختلف عن بومدين “لم يكن صاحب أيديولوجيا ،كما لم يكن واضع استراتيجيات ،وبالتالي لم يكن لديه طموح تجاه بلاده ،ولا من باب أولى حيال باقي العالم ،كان يبدو بالأحرى إنسانيا ،وبسيطا ،ومسترخيا ومنشغلا بالقضايا اليومية لبلده الذي كان يريد تحسين وضعه الاقتصادي والاجتماعي .ولكن لما كان براغماتيا ومهتما بما هو ملموس ،وواقعيا ،لم يكن لديه يوما طموح لتسوية كل مشكلات الجزائر كما كان يحلم بومدين ،ولم تكن لديه رؤية كلية ومتماسكة لمتطلبات التنمية ،بل بالأحرى رؤى مبتورة وجزئية ” ص171-المرجع السابق.
إن وضع النظام السياسي في الجزائر يقوم على إعادة إنتاج نفسه من خلال حيلة تقديم رئيس الجمهورية نفسه كالضحية البريئة والرهينة العاجزة للمنظومة ،ويقدم نفسه بالتالي كمنقذ للوطن المهدد ،مقترحا إجراء تغييرات مهمة ،كما هو شأن خطوات الرئيس الشاذلي عام 1988م ،وكذلك الوعود والإجراءات التي كان يعد بها الرئيس عبد العزيز بوتفليقة في كل ولاية رئاسية له .
هناك تدهور للاقتصاد والوضع المعيشي في الجزائر ،من تدني متوسط الدخل ،وغلاء الأسعار وارتفاع الدين الخارجي ،ناهيك عن الدين العسكري غير المعلوم ،وهو ما أدى إلى مفاقمة الركود وكبح جهود الإنعاش الاقتصادي طيلة السنوات الماضية .كذلك احتكار الواردات بيد طبقة طفيلية من النهابين راكم ثروة ضخمة لديهم ،وإلى ذلك فإن”خصخصة قطاع الدولة العام واقتصاد السوق المنحرف الذي يلازمها تجليا بمركزة شديدة للثروة بين يدي قلة ،وبالإفقار ،والفقر والإقصاء الاجتماعي ،كل تلك الآفات التي تميز من الآن وصاعدا المجتمع الجزائري ” ص240-المرجع السابق.
مع استقالة الرئيس بو تفليقة ،ورفض الجماهير التي نزلت إلى الساحات لتولي عبد القادر صالح رئاسة انتقالية لمدة تسعين يوما بحسب الدستور ،كرئيس للبرلمان ،وهو الذي جاء إلى البرلمان بالتعيين ثم من خلال انتخابات عام 1995م التشريعية ،وأصبح رئيسا للمجلس الوطني،ومحسوب على النفوذ الفرنسي في السلطة الجزائرية –فإن ذلك يعطينا مقاربة عن طبيعة الصراع على المستوى الداخلي والخارجي ،ورغبة التوجه الإسلامي في مسك زمام السلطة ،ولأن رغبة الإسلاميين سيتم استنزافها في مواجهة رموز مؤسسة الرئاسة والبرلمان ،فإن الجيش في نهاية المطاف سيراكم من سلطته وسيطرته ،أما إذا خدم الصراع الدولي التيار الإسلامي في إسقاط مؤسسة الرئاسة والجيش معا ،مما يعني هزيمة لفرنسا ،فإن ذلك سيقود الجزائر إلى سيناريو تنهك فيه على الطريقة السورية ،وتتخلق فيها الأمراض الاجتماعية ،لا تسقط الجزائر في مسار شبيه بالمسار الليبي ،ولكن بدمار داخلي سيطول لسنوات كمثيل للوضع في سوريا.

الخبر اليمني على التواصل الإجتماعي
المصدر
صحيفة الثورة
الوسوم