أبجدية

عبد الله البردوني.. تسعون عاماً على مولده وعشرون على وفاته

| صلاح حسن رشيد

لعلّه من القلائل المتفردين، الذين كانوا يرون جوهر الأشياء، حتى وهم أعمياء، في عالم الأدعياء، فقد كانت أذنه الموسيقية لاقطة لكل ما هو جديد وغريب، وغير مطروق في الأوزان، والبحور، والإيقاع، والألفاظ، والتراكيب، والصياغة الشعرية.

كان وجدانه يفرز ما ينسج عليه؛ فيختار الجديد الموشّى؛ فيحدث من التأثير؛ ما يفوق الطاقة، وما يأتي بغير الإطاقة. عاش؛ وفي قلبه وعقله؛ يعيش الأعشيان، بجوار بشّار، إلى جانب المعري، وطه حسين؛ فأنتج على منوالهم، وزاد أن كان شاعر العرب والعروبة في العصر الحديث. إنه؛ عبد الله البردوني (1929-1999م)؛ الذي تمر الآن؛ تسعون عاماً على مولده؛ وعشرون عاماً على وفاته؛ فكيف عاصر البردوني أحداث يمنه السعيد؛ الذي رآه غير سعيد؟ وماذا لو امتد به العمر؛ فرآه الآن؛ فماذا كان سيقول؛ بعد أن اجتاحته الفتن؛ وعبثت بترابه الطاهر؛ أشر الفِرَق؛ والنِّحَل؛ والطوائف؛ والمرتزقة؟!

 

قال عنه العلامة الطاهر أحمد مكي، عميد الأدب المقارن: “اكتشفنا البردوني فجأة؛ فكان اللؤلؤة الفريدة الغالية؛ في زمن؛ رحل فيه الشعراء الكبار؛ فأرجعنا إلى النغم الشعري الأصيل؛ وإلى الترجمة الأمينة المواكبة لأحداث يمنه وعروبته؛ بإيقاعات خلابة؛ وفلسفة شعرية راقية. ومن حسنات البردوني؛ وما أكثرها؛ قدرته على الإدهاش الشعري؛ واللغوي؛ والموسيقي؛ والفني؛ والجمالي، وهي ميزة الكبار؛ الذين يمتلكون الرؤية الناضجة، والأدوات العالية، والموهبة المتجددة”. وقال عنه الباحث محمد جمال صقر في كتابه “نجاة من النثر الفني”: “لقد فُطِرَ البردوني على السخرية، وأشعلها لديه؛ ضيق حاله، وهو المبدع الموهوب. لقد سخر من قومه مُرَّ السخرية؛ في قصيدته “من حماسيات يعرب الغازاتي”؛ التي كتبها في الثمانينات من القرن العشرين- فقال: “نحن أحفاد عنترةْ/ نحن أولاد حيدرةْ/ كلنا نسل خالد/ والسيوف المشهرة/ يعربيون إنما/ أمُنا اليوم لندرةْ/ أمراء وفوقنا/ عينُ ريجن (الرئيس الأميركي روناد ريجان وقتها) مؤمرةْ/ وسكاكيننا على أعين/ الشعب مخبِرةْ/ نحن للمعتدي يدٌ/ وعلى الشعب مجزرةْ/ حين صهيونَ يعتدي/ يصبح الكلُّ مقبرةْ”.

 

في قصيدته “أمسيات في فندق”؛ قال “وحيداً؛ تقاسي انتظار الصباحِ/ وتتعب لا شيء حدساً ولمسْ/ ويأتي الصباح الذي مرَّ أمسْ/ ويدنو المساء الذي عاد أمسْ/ صباح العشيات يا شبه قصرٍ/ مساء الصبيحاتِ يا شبه رمسْ/ لياليكَ عُرْجَ الثواني، ضِحاكٌ/ ينوء بصخرٍ يُسميِّه شمسْ”. وعن ذلك قال وديع فلسطين في كتابه “مختارات من الشعر العربي المعاصر وكلام في الشعر: “ألقى الشاعر نفسه حبيساً في فندق، يعاني الوحدة في انتظار الصباح، ولكن الصباح يأتي، ويعقبه مساء، من دون أن يحس بالفارق بينهما؛ فحياته كلها حدس ولمس.

ولعل الشاعر رمز بالفندق إلى الحياة نفسها؛ فليس فيها مُخَلَّدٌ، وكل الناس فيها مرتحلون وهو كما هو؛ واليمن من انحدار إلى بركان، وزلزال”. أما الشاعر اليمني عبد العزيز المقالح؛ فوصفه في كتابه “من أغوار الخفاء إلى مشارف التجلي” بأنه “أحد أهم الرموز الإبداعية في اليمن؛ التي استطاعت أن تحدث تأثيراً في الحراك الثقافي اليمني؛ حيث انتقل بالقصيدة العمودية من مرحلة الخفاء والجمود إلى مرحلة التجديد والتغيير، أي من خلال الانفتاح على الحداثة؛ برغم التمسك بالقالب العمودي”.

وعن عاهته؛ وما صادفه في حياته من قسوة وجهامة؛ وما عاناه بسبب محن وطنه الفظيعة؛ أضاف المقالح: “فبين المحنة والممتحن؛ علاقة ثائرة أبداً؛ ما تفتأ تدفع به إلى تحطيم قيدها، وتحدي ضعفها، وتعويض نقصها؛ فإذا كان الممتحن بها من ذوي الشخصية القوية، والمهمة الغنية، والطموح الراشد؛ انطلق الممتحن بها، وتحدَّى، وعوَّض، وزاحم؛ ليلفت إليه الأنظار؛ وخالف ليثير حوله الغبار؛ وقاوم حتى يظهر على محنته؛ فإذا به الأعلى، والأقوى، والأروع”. وهكذا؛ كان البردوني؛ ثورة ضد مِحَن بلاده التي من هولها؛ شابَ الوِلدان. رثى البردوني العروبة؛ التي لم تعجبه أوضاعها؛ فكيف لو طالع اليوم نهارات العرب المعجونة بالدماء والأشلاء والقتلى؛ في أكثر من بلد عربي؛ بأيدٍ عربية؛ تأتمر بأجندات غير عربية؟ لا شك؛ أنه كان سيردد قصيدته العصماء نفسها التي قالها في الموصل: “ما أصدقَ السيف؛ إن لم يُنْضِهِ الكذبُ/ وأكذبَ السيفَ؛ إن لم يصدق الغضبُ/ وأقبحُ النصرِ نصرُ الأقوياءِ بلا/ فهمٍ سوى فهمِ كم باعوا وكم كسبوا/ أدهى من الجهل؛ علمٌ يطمئن إلى/ أنصاف ناسٍ طغوا بالعلم واغتصبوا/ حبيبُ؛ وافيتُ من صنعاءَ يحملني/ نسرٌ وخلف ضلوعي يلهث العربُ/ ماذا أُحَدِّث عن صنعاءَ يا أبتي/ مليحةٌ عاشقاها السل والجربُ/ لكن أنا راحلٌ في غير ما سفرٍ/ رحلي دمي؛ وطريقي الجمرُ والحطبُ/ قبري ومأساةُ بلادي على كتفي/ وحولي العدمُ المنفوخُ والصخبُ/ يكفيكَ أن عدانا أهدروا دمنا/ ونحن من دمنا؛ نحسو ونحتلبُ”.

الخبر اليمني على التواصل الإجتماعي
بواسطة
جريدة الحياة
الوسوم