الخبر اليمني-مسؤولية الخبر
موقع إخباري يمني مستقل يهتم بأخبار اليمن والعالم أولا بأول ويبحث تفاصيلها وأبعادها بدقة.

 إتفاق الحديدة كنتيجة لانكسار الرمح الذهبي

ملف: اتفاق الحديدة..شمعة أولى بين المتاريس-الجزء الثالث

“الرمح الذهبي” هو الإسم الذي أطلقته قيادة التحالف على حملتها العسكرية المتوجهة نحو الحديدة، بحسب سياق الاحداث، و باعتبار أن الوصول لميناء الحديدة هو الغاية الأساسية لمعركة الساحل الغربي، فقد بدأت قوات عسكرية تقودها الإمارات هجومها باتجاه مدينة الحديدة نهاية شهر مايو ٢٠١٨م قادمة من الجنوب عبر الطريق الساحلي متجنبة دخول مراكز المديريات مثل التحيتا، الدريهمي، زبيد !

الحديدة-أكرم عبدالفتاح-الخبر اليمني:

في المقدمة كانت طائرات الأباتشي تمشط كل شيء يعترض المدرعات القادمة خلفها على الشريط الساحلي المكشوف فاتحة الطريق نحو مدينة الحديدة حتى وصلت إلى أسوار المطار الواقع على الجهة الجنوبية من المدينة منتصف شهر يونيو.

 

رافق الهجوم حملة إعلامية ضخمة اشتغلت على ترويج أن تلك القوات استطاعت السيطرة فورا على مطار الحديدة و وصلت إلى بعض الأحياء الجنوبية و الشرقية للمدينة بما في ذلك شارع صنعاء، بل أن الفضائيات الخليجية ذهبت لادعاء دخول القوة المهاجمة إلى ميناء الحديدة و حرصت على بث إشاعات عن فرار قيادات “جماعة الحوثي” و مقاتليها من الحديدة!

 

على الأرض بدا الوضع مختلفا فقد تعثر المهاجمون عند الأسوار الجنوبية للمطار رغم تواصل محاولات التقدم لأكثر من ثلاثة أسابيع شهدت المدينة خلالها قصفا جويا و بحرياً مستمراً على مدار الساعة تركز معظمه على المطار و ما حوله. و بالطبع، لم تستطع القوات المهاجمة الوصول إلى أطراف المناطق السكنية خلال هذه المرحلة.

 

حملة القصف المتواصل بقنابل غير مسبوقة في ضخامتها إلى جانب الحملة الدعائية الواسعة كانت اشبه بحرب نفسية غرضها إيهام المدافعين بحتمية الهزيمة على أمل ان تؤدي لدفعهم إلى الفرار و التخلي عن المدينة، و من جانب آخر كان ذلك محاولة لتشجيع خروج تمرد مسلح يقوده مؤيدو التحالف داخل المدينة و مساعدتهم على حشد عدد كاف من الناس لتفجير حرب شوارع مماثلة لما حدث في تعز… لكن هؤلاء سقطوا سريعا لعدم تجاوب الناس معهم و نجاح الجهات الأمنية في تعقب خلاياهم و مصادرة مخازن السلاح التي كانوا يخفونها.

 

الملاحظ هو ان الحملة الإعلامية التي شاركت فيها أغلب وسائل الإعلام الدولية قد تعمدت التهويل من قوة الهجوم و قدرته الكاسحة عبر فبركة انتصارات وهمية غرضها خلق رأي عام دولي ينادي بضرورة تسليم المدينة للقوات المهاجمة حرصا على حياة المدنيين فيها، كل ذلك كان أشبه بإيجاد مبررات تمهد لحملة ضغوط سياسية تقودها الأمم المتحدة و الدول الكبرى للضغط على سلطة صنعاء تحت مبرر حماية المدينة و مينائها من الدمار الذي سيتسبب بقطع واردات المواد الغذائية عن سبعة عشر مليون مواطن يمني. و كما رأينا فقد أصرت حكومة صنعاء على مواقفها، و أظهرت قواتها استبسالا أفشل الهجوم كما أسقط الحرب النفسية و الضغوط السياسية.

 

ضمن هذا الهجوم الأول باتجاه المدينة وقعت حادثة مهمة تحمل دلالات عميقة عن حقيقة موازين القوة على الأرض، ففي ١٣ يونيو ٢٠١٨  حاول التحالف تنفيذ عملية إنزال بحري على ساحل منطقة “غليفقة” الواقعة على بعد عشرات الكيلومترات جنوب الحديدة باستخدام سفينتي إنزال كبيرتي الحجم بحسب شهود عيان، و بمجرد اقتراب البارجة الأولى من الشاطئ تعرضت لصاروخ بحري محققاً فيها إصابة مباشرة أجبرتها على الاستدارة هاربة مع البارجة الاخرى التي كانت ما تزال بعيدة عن الشاطئ.

بعدها بأسبوعين تقريبا حاولت سفينة حربية أخرى الاقتراب من شاطئ التحيتا الذي كانت تظنه آمنا بوجود قوات أتباع الإمارات فيه لتتفاجئ بضربة صاروخية أجبرتها على التراجع. ثم لم تتكرر بعد ذلك أية محاولة للإنزال البحري. و لعل في ذلك مؤشرا كافيا على حقيقة السيطرة على الأرض، فأن تعجز سفن الإنزال عن الاقتراب من الشاطئ، منذ بداية الهجوم و حتى الآن، رغم التفوق التسليحي و العددي و رغم السيطرة الجوية المطلقة فهذا يعني أن المدافعون هم الأقوى على الأرض و لديهم قدرة السيطرة النارية على طول الشاطئ من الخوخة حتى ميدي.

 

قبل نهاية شهر يونيو كانت الخلاصة هي فشل الهجوم البري في اقتحام المدينة او حتى السيطرة على المطار رغم استهدافه بمئات الغارات، كما أخفقت محاولة الإنزال البحري على الشاطئ المكشوف بما يؤكد عدم جدوى تنفيذ الإنزال قرب الميناء، ليتضح من نتائج “عملية الرمح الذهبي” أنها في حقيقتها أقرب لان تكون سلعة إعلامية بأكثر مما هي إنجازات سيطرة ميدانية يمكن الاحتفاظ بها طويلا خصوصا في ظل الخسائر الكبيرة التي تتزايد بعمليات يومية تستنزف أعداد المقاتلين و الآليات التي ملأت طريق الساحل بهياكلها المحترقة.

كان على الإمارات تعويض تلك الخسائر كي تستمر في محاولات الهجوم، فقامت بتعزيز قواتها هناك بثلاثة ألوية ضمن قوات العمالقة للقيام بهجوم لاحق فشل بدوره، لتتواصل التعزيزات بألوية جديدة ضمت ما يسمى “حراس الجمهورية” و “ألوية المقاومة التهامية” حتى وصل عدد الألوية في الساحل الغربي إلى ما يزيد عن عشرين لواء بأحدث الأسلحة و المدرعات.

كلها فشلت في اقتحام المدينة طوال الفترة من نهاية شهر يونيو حتى أكتوبر ٢٠١٨م رغم تمكنها من الالتفاف شرق المدينة لقطع طريق كيلو ١٦ قبل ان تضطر للتراجع تحت وقع الضربات المعاكسة التي تتلقاها.

 

اللافت هو أن القوات الإماراتية لجأت خلال هذه الفترة لاستخدام أسلوب المجازر الصادمة و الإفراط في التوحش ضد المدنيين كان أشهرها المجزرة المزدوجة التي بدأت بقصف سوق السمك و تلاها استهداف المسعفين و أهالي الضحايا المزدحمين أمام بوابة مستشفى الثورة، ليقوم إعلام التحالف بإلصاق وزرها بقوات حكومة صنعاء لأغراض تحريضية.

 

ما بين نهاية مايو حتى أكتوبر ٢٠١٨ كان الوضع الإنساني في الحديدة قد صار محط أنظار العالم كنتيجة للتغطية الأعلامية الكثيفة لمعركة الساحل و ما رافقها من بيانات المنظمات الدولية، ساهم في ذلك الاهتمام عامل آخر هو تشكل رأي عام دولي ضد السعودية صار أكثر وضوحا بانكشاف بعض الفظائع التي ارتكبها التحالف في اليمن، و تعذر إخفاء الدور الأمريكي في دعمه ناهيك عن ضغوط الكونغرس لوقف ذلك الدعم، كل ذلك أجبر حكومة الولايات المتحدة، و حلفاءها الأوروبيين، على إطلاق تصريحات مهدئة تطالب بوقف الحرب في مواقف مراوغة غرضها الأساسي هو منح الإمارات فرصة أخرى لتكرار محاولاتها و لو من أجل إنجاز تقدم ميداني يمكن استغلاله للضغط أكثر على سلطة صنعاء سياسيا لتسليم المدينة.

 

أهم تلك المواقف هو ما حدث في نهاية أكتوبر خلال مؤتمر الدفاع و الأمن المنعقد في البحرين، حيث أعلن وزير الدفاع الامريكي عن ضرورة إنهاء الحرب في اليمن بعد شهر واحد فيما يشبه فرصة أخيرة، قائلا انه أعد خطة لوقف إطلاق النار بعد انتهاء شهر نوفمبر ٢٠١٨م، تاركاً ذلك الشهر كمهلة ظن أنها كافية لنجاح الإمارات في احتلال ميناء الحديدة.

 

يومها، كانت الإمارات قد استكملت تدريب و حشد تعزيزات ضخمة، كي تنفذ محاولة الهجوم الأخيرة في أول يوم من نوفمبر ملقية بكامل ثقلها الميداني في الساحل لاقتحام الحديدة حيث وصلت القوات إلى مطاحن البحر الاحمر و مجمع إخوان ثابت و أطراف شارع الخمسين المؤدي إلى مدينة الصالح شرق مدينة الحديدة قاطعة بذلك طريق كيلو ١٦ للمرة الثانية. لكن ذلك الهجوم فقد زخمه و اندفاعته في أيامه الأولى لتراوح القوات مكانها في مقابل خطوط الدفاع الرئيسية عن المدينة، ثم و خلال الأسبوعين التاليين لم تحقق أي تقدم يذكر سوى اقتحام سوق سيتي ماكس فيما ظلت تتعرض للهجمات المرتدة عاجزة عن التقدم أكثر رغم كل حملات القصف الجوي.

 

 

هنا صار واضحا أن الإمارات قد فشلت في الاستفادة من المهلة الأخيرة، و الأهم من ذلك أن سلطات صنعاء ما زالت عند موقفها الرافض لتسليم المدينة في حين تعجز القوات المهاجمة عن اقتحام الخطوط الدفاعية، بل و أنه حتى في حالة نجاحها بتجاوز الدفاعات فسيقعون في ورطة التوغل داخل منطقة عمرانية واسعة يضطرون فيها للاشتباك مع خصومهم عن قرب دون الاستفادة من غطاء القصف الجوي الذي هو العامل الأساسي لقدرتهم على التقدم سابقا في المناطق المفتوحة، فالطيران سيعجز عن فتح الطريق لهم او إنقاذهم في اشتباكات مباشرة على نمط حرب الشوارع، إذ لن ينفعهم القصف الجوي داخل أحياء المدينة و سيكونون فريسة سهلة لخصومهم، بغض النظر عن الدمار الذي سيلحق بالمدينة و سكانها…

 

بالنسبة للمجتمع الدولي فقد كان هذا الأمر واضحا بما فيه الكفاية استنادا لحقيقة استماتة قوات صنعاء في الدفاع عن المدينة و استعداداتهم داخلها، حيث أن احتمال نجاح المهاجمين في دخول أحياء المدينة سيعني بدء حرب شوارع طويلة و غير مضمونة النتائج، إذ لا نتيجة مؤكدة لها غير تدمير المدينة و مقتل الآف من سكانها أما الانتصار و الحسم فهو أبعد ما يكون، و الأخطر هو حتمية توقف عمل الميناء و انقطاع إمدادات الغذاء عن ٨٠٪ من اليمنيين لتحقق مخاوف حدوث المجاعة المميتة التي ستكون هي أول من يتحمل مسؤوليتها.

 

بالنتيجة، وجد قادة المجتمع الدولي أنهم مجبرون على التدخل كي ينقذوا سمعتهم من عار التواطؤ التام مع التحالف الخليجي الذي صارت صداقته ورطة تجلب الخزي، في وقت صارت فيه جرائم التحالف موثقة و مكشوفة أمام الرأي العام العالمي خصوصا بعد تداعيات قضية مقتل خاشقجي التي نتج عنها تحول مواقف كثير من وسائل الإعلام الأمريكية ضد السعودية و داعميها، فاتحة العيون على ما يحدث في اليمن من حصار و مجازر و كوارث إنسانية يستحيل إنكارها أو تبريرها.

يضاف لهذا أن بعض قادة الناتو، و برغم استفادتهم من الحرب، إلا أنها صارت تشكل خطرا على عروش حلفائهم الحمقى في الخليج إلى حد يستوجب ترشيد حماقاتهم كي لا يغوصوا أكثر في المستنقع الذي يبتلعهم أكثر كلما حاولوا التقدم فيه، مع استمرار السعي لتحقيق نفس الأهداف عبر الوسائل الدبلوماسية و لو مؤقتا.

 

هكذا تقرر عقد مشاورات ستوكهولم لفرض حل يمنع تدمير المدينة و الميناء و يضمن عدم حدوث المجاعة الشاملة.

أما عن إمكانية فرض الحل فقد تم غرس بذرتها مسبقا في اتفاق جانبي جرى في الجهة الأخرى من الكوكب نهاية شهر نوفمبر بين الأمين العام للأمم المتحدة و ولي العهد السعودي، كان ذلك أشبه بصفقة يمكن معرفة المزيد عنها في الجزء الرابع  🙁كواليس ستوكهولم، والورقة الرابحة في يد جوتيريتش)

 

 

 

قد يعجبك ايضا