الخبر اليمني-مسؤولية الخبر
موقع إخباري يمني مستقل يهتم بأخبار اليمن والعالم أولا بأول ويبحث تفاصيلها وأبعادها بدقة.

ما يشبه الحب ..عن الشاعر والأديب عبدالله هاشم الكبسي

أحمد عبدالرحمن:

منتصف الأسبوع الفائت، كانت إحدى الصحف الصادرة في صنعاء، تناشد وزارة الثقافة ووزيرها الكبسي، بالالتفات إلى الوضع الصحي الحرج للشاعر الكبير عبدالله هاشم الكبسي، وبعد أيام وتحديدا صباح الخميس الماضي، ظهرت الوزارة المعنية، ببيان تنعي الشاعر الكبير، وتتغنى فيه كعادتها الأصيلة والمتوارثة، بإنجازاته الشعرية والأدبية..بعد سنوات من التجاهل والتهميش والمعاناة، والصراع مع المرض على سرير أحد مستشفيات العاصمة..

أكثر من 80 عاما من الحياة والشعر، عاشها الشاعر القدير عبدالله هاشم الكبسي 1936 – 2019، بسيطا..قريبا من الناس..ملتصقا بهم..محاكيا همومهم المعيشية..ومعبرا عن قضاياهم اليومية..لاهجا بأحلامهم الوطنية..ومتغنيا بلواعجهم ومكنوناتهم الشخصية، بقصائد غنائية فائضة بالحب، وأخرى شعبية حافلة بالسخرية..وبطريقته”عبر عن نوازع الكثير بلغة الكثير، فكان خير من أنطق الواقع وأنطقه الواقع”، بتوصيف البردوني، في كتابه المهم “رحلة في الشعر اليمني قديمه وحديثه”..
“من العمودي العادي إلى الشعر الشعبي”، انتقل الشاعر الراحل عبدالله هاشم الكبسي، وهنا “نجحت العادية في شعره الشعبي جماهيريا”، يقول البردوني أيضا، وهو يؤرخ لظهوره ك”شاعر شعبي أواخر ستينيات ومطلع سبعينيات القرن الماضي، وفي مدة ثلاث سنوات أثار أهم القضايا الاجتماعية والسياسية بجرأة وبتدفق شعري”..معلنا عن بدء تجربته ورحلته الشعرية التي ستتسع لاحقا، إلى فضاءات الشعر الغنائي الحميني، عبر قصائد حميمية عذبة في بساطتها وإغراقها في المحكية اليومية.
يتجلى ذلك حين نستمع مثلا للفنان الكبير محمد حمود الحارثي، في كلمات أغنية “رد السلام”، التي يقول فيها:

رد السلام رد السلام واجب رد السلام
واسمح بوقفه واحده وجاوب داعي الغرام
وقفه قصيره ربما تناسب تخلق وئام
فالحب سنه والحياه تجارب على الدوام
.
.
.
.
يا خو القمر مابش قمر ملثم يا خو القمر
ما بش قمر مثلك رأيت تبسم على درر
ولا قمر مثلك كحيل أحوم أو فيه حور
لكن لماذا لك لثام حاجب هذا حرام

..
.
أو حين نستمع إلى الفنان الكبير أحمد السنيدار، الذي شكل معه ثنائيا خاصا، في عشرات القصائد والأغاني الوطنية والعاطفية، منها أغنية “ياسين عليك”، التي يقول في مطلعها:

ياسين عليك ارزم يدك على العود
فالقلب باللحن الجميل مشدود
واسرح على معنى طويل ممدود
يرقص الطير فوق كل عنقود

دغدغ بريشك قلبي المتيم
وارعش بعودك جسمي المحطم
شد الوتر يطلع نغم منظم
يهز أعصابي فالقلب مخمود

صوتك جميل زيد ارفعه شويه
شا سجله وارسله هديه
أجمل هديه أغنيه طريه
سلام مخصوص للحبيب ومحدود….إلخ القصيدة الأغنية..

أو في أغنية:

أمانتك و انسيم تعزم وتتخبر
عن الحبيب الذي غاب له سنه واكثر
بلغ سلامي إليه وافعل معه محضر
وعاتبه بالنيابه ليش يتكبر

هكذا صبغ الكبسي قصائده المتنوعة بمعجم العاديين وبمفرداتهم المحببة والأثيرة، فسموعها ورددوها، حتى أصبح بعضها أمثالا تجري على الألسنة ك:
اصبر وهي با تنجلي
من يشتي الحالي صبر
ومن غثي ساعه سلي
ساعات كذا طبع البشر

هذه المسحة أو الثيمة سنجدها في أغلب إن لم تكن في جميع قصائده المغناة وهي كثيرة. وإضافة إلى ما سبق، نتذكر: حبوب حبوب لا تغضب، و ما بال الحب يعذبني، وأشكي بمن ولعوني، وما راح في بالي أو كان في الحسبان..إن انت يا غالي تتعمد النسيان، و سلام وأجمل تحية…..

يتكرر الأمر أيضا، في قصائده الشعبية غير المغناة.وهي قصائد كثيرة لسماعها منه، حين يلقيها بطريقته الآسرة وبلهجته ولكنته الصنعانية اليمنية الآسرة، فيضفي عليها بتفاعله وأسلوبه الخاص، نكهة أخرى من السحر والجمال، بما فيها قصائده المغناة..وقد استمعت مؤخرا لقصيدتين هما “حبوب حبوب” و”ياسين عليك”..ورغم كبر سنه، ظل محافظا على روحه وألقه الخاص..ومازلت حتى اللحظة أتذكر صوته على الهاتف، وهو ينادي نجله الفنان بحميمية الأب والصديق: “فؤاااديي”. كان ذلك في إحدى المقابلات التلفزيونية مع فؤاده الذي يحبه، وكون معه علاقة استثنائية تجاوزت علاقة الأب بابنه، وهي علاقة تأسرني فعلا، وتحيلني إلى علاقة الشاعر القاضي عبدالرحمن الآنسي، بنجله الشاعر القاضي أحمد عبدالرحمن الآنسي، التي تجلت من خلال بعض القصائد المتبادلة بينهما، كأن يكتب الآنسي الابن إلى أبيه قصيدة:
يا حمامي أمانه ما دهاك
طرت من بقعتك حيث الأمان
فيرد الآنسي الأب بقصيدة:
يا حمامي على داري ينوح
لا تزد في شجى قلبي الكئيب
أنت تبكي هديل من عهد نوح
وانا أدعي حبيب عهده قريب

لا تبتعد كثيرا علاقة شاعرنا الكبسي بنجله الفنان الكبير، إلا من حيث الأدوار، فالكبسي الأب يكتب القصائد، والكبسي الابن يتلقفها ويغني، فسمعنا منه: “من حبك القلب مفرق من هواه”، وكلفت نفسي وقمت أهوى كحيل العين”، و “قالوا أتوب من حبك” و” أشتي أرتاح” و “خلوني أرتاح” و” اصبر وهي باتنجلي” و” مع الأسف غلطان” و “أشكي بمن ولعوني” و “اسأل عينيك اسأل” و “تحرشني” و ” خلي الأمر عادي”، وهذه الأخيرة، كانت موجهة لفؤاده نفسه كما يبدو من كلماتها:

يا مسافر أمانه
قبل ما قول مودع
اطرح اطرح فؤادي
اتركه هو وشأنه
لا تقل لا ولا مع
خلي الأمر عادي

هذه العلاقة الحميمية والملهمة، تتمظهر حبا وشغفا على نحو أوضح في قصيدة الأب، على أنغام صوت وأوتار الابن، وفيها يحضه على التغني والترنم، فهو بالنسبة له بلبل الفن، ولحنه، جدول يحي النفوس:

أنا في دنيا من الألمِ
حائرٌ في حالك الظُلمِ
فترنم يا فؤاد فما
يذهب الألآم كالنغمِ

هكذا اذا، فالغناء ضوء ودواء، ولا قيمة للحياة، بلا رحيق الفن والكلم:

أي معنى للحياة إذا
أصبحت في عالم العدمِ
ليس هذا الكون غير رؤى
ومضت والعيش كالحلمِ

ومن التساؤلات الفلسفية، ينتقل إلى أن يأمره بسقيه كأسا معتقة، تسكر نشوتها الألباب:

فاسقنا كأساً معتقةً
من رحيق الفن والكلمِ
تُسكر الألباب نشوتها
وبها يغدو البصير عميِ

ومن ثم، يذهب إلى التغزل بلحنه وعزفه المنعش لما مات من همم:

لحنك الرقراق منطقهُ
أنطق الأوتار دون فمِ
جدولٌ تحيا النفوس به
منعش ما مات من هممِ

ولأنه كذلك، فليدمه الله بلبلا شاديا:

دم لهذا الفن بلبله
شاديا في أرفع القمم
رافعا للفن أعمدة
في الذرى خفاقة العلم

….
فالسلام والرحمة لروحه، إنسانا وشاعرا وفنانا.

 

 

  • حساب الكاتب على فيسبوك
قد يعجبك ايضا