الخبر اليمني-مسؤولية الخبر
موقع إخباري يمني مستقل يهتم بأخبار اليمن والعالم أولا بأول ويبحث تفاصيلها وأبعادها بدقة.

ظهور الزامل الشعبي وإرتباطه بالغزو الروماني

كتاب تاريخ اليمن مقبرة الغزاة-تأليف عبدااله بن عامر (الحلقة السابعة):

اكتشاف في جبال الضامر :

يشير المؤرخ عبد الباري طاهر إلى اكتشاف مهم في منطقة جبال الضامر(جبل الضامر يمتد من شرقي وادي سهام نحو الشمال إلى اتجاه مدينة باجل – قرة العيون ص 414) القريبة من باجل له علاقة بالحملة الرومانية فقد عُثر على كميات كبيرة من العملات الرومانية واليونانية القديمة في تلك المنطقة ولعل ما يثير التساؤلات عن أسباب وجود تلك الكميات من العملات وفي تلك المناطق تحديداً هو كيف وصل الجيش الروماني إلى هناك إلا أنه ومن خلال معرفة مصير تلك الحملة ومسار دخولها اليمن ووصولها إلى مأرب نتعرف أيضا على مسارات عودتها خائبة ومنكسرة فالكثير ممن كتبوا عن تلك المرحلة من المؤرخين اتفقوا على أن الجيش الغازي وصل إلى مأرب وانكسر على أسوارها المحصنة أي تعرض لهزيمة ساحقة أجبرته على الفرار في ظل عدم معرفة مسبقة بالأرض اليمنية ولهذا كان الجيش قبل الغزو قد استدعى المرشد سلي ليدله على الطريق وأما بعد الهزيمة فقد فر القائد والمرشد وفر الجنود بشكل عشوائي والى طرق متعددة فمنهم من اختار الصحراء ومنهم من فر باتجاه المناطق الغربية لمأرب أي المناطق الجبلية وإلى الأودية والشعاب الواقعة بين مأرب والساحل الغربي لليمن وهو التفسير المنطقي لتواجد تلك الكميات من العملات الرومانية في جبال الضامر، ولم يتمكن قائد الجيش الروماني من جمع كل الجيش المشارك بالحملة وتحديد مسار العودة والتراجع بل سارع إلى النجاة بنفسه مع مجموعة من الجيش ،فيما تاه البقية في الطرقات وهذا أدى إلى وفاة المئات منهم إما بتعرضهم للهجوم من قبل اليمنيين في المناطق التي حاولوا الهروب منها أو بالجوع والعطش فما أرخه استرابون يشير إلى أن الجيش الروماني وقع في مهالك متعددة ، وقد يقول البعض إن تلك العملات قد تكون في تلك الفترة متداولة في اليمن غير أن ذلك غير صحيح فالدول اليمنية كان لديها عملات خاصة بها حتى في حالة الاتحاد بين كيان وآخر أو بين قوة وأخرى نجد إنهما تتفقان على ضرب عملة جديدة للتداول وكل تلك الاستنتاجات تؤكد أن العملات المكتشفة تعود إلى الجيش الروماني الفار من مأرب نحو البحر الأحمر ، رغم أن المصادر الرومانية تشير إلى أن ما تبقى من جنود سلكوا طريقاً أدى بهم إلى نجران ومنها إلى منطقة تدعى الآبار السبع أو العيون السبع وهو موضع يقع على مسافة «مائة وخمسين» ميلًا إلى الغرب من نجران، ومنه إلى موضع Chaala، وهو «خولان» في بلد «خولان» ومنه إلى Malotha، وهو مدينة تقع على نهر وادي «ضنكان» ويرى أن Malotha هي «تبالة» ومن «تبالة» إلى «ينبع» حيث أبحر من بقى حيًّا من الرومان إلى مصر(المفصل ج3 ص 51)
الغزو الروماني في الثقافة الشعبية وظهور فن الزامل:
لا يمكن معرفة مرحلة ظهور الزامل الشعبي المعروف اليوم في اليمن إلا أن ما يمكن التسليم به أن هذا اللون من ألوان التراث الشعبي اليمني يعود إلى مراحل تاريخية شهدت فيها اليمن مراحل الازدهار الحضاري فالثقافة الشعبية في اليمن لا تزال حافلة بالكثير من القصص والروايات والأساطير التي يعود تاريخها إلى ما قبل الميلاد ورغم أن الكثير من الباحثين لم يهتموا كثيراً بالزامل الشعبي إلا أننا نجد ما يربط مرحلة ظهور الزامل بالمرحلة التي تعرضت فيها البلاد اليمنية للعدوان الروماني وهذا ما أشار إليه المؤرخ والأديب عبد الله البردوني الذي ينقل عن إحدى الأساطير الشعبية أسباب وتفاصيل ظهور أول زامل شعبي ورغم أن هذه الأسطورة فيها من الخيال ما قد يشكك في صحتها إضافة إلى عدم وجود ما يؤكدها إلا أنها جديرة بالذكر عند الحديث عن الغزو الروماني لارتباطها به ومفادها كما ينقل البردوني عن المعمرين (كبار السن) أن بعض القبائل فرت في سنة (دقيانوس) إلى كهوف الجبال خوفاً من هجوم المعتدي وفي هدأة الليل سمعت أصواتاً جهيرة كثيرة العدد بديعة الإيقاع لم تسمع أجمل منها إثارة وتحميساً ، وكانت تردد باللغة الشعبية (زاملاً) يهز النفوس ويرنح قامة الصمت وعندما أصغت إليه القبائل حفظت ذلك الزامل ( قبح الله وجهك يالذليل إن بعد الحرايب عافية عند شب الحرايب ما نميل باتجيك العلوم الشافية) (يقول الجبري في الزوامل اليمنية ص 6 إن هذا الزامل يردده اليمنيون جيلاً بعد جيل) ، وكانت أصوات الزاملين تقترب فتثير الفزع وتبتعد فترجعها الرياح وكانت القبائل المختبئة تخرج فلا ترى أحداً وإنما تسمع ضجيجاً وتشاهد أمواج الغبار فتأكد المختبئون من اشتعال الحرب بين (الجان) فيهيجهم ذلك الزامل المتحمس فاجتازوا الخوف واندفعوا لمقارعة العدو .
وهذه الحكاية بتاريخيتها (سنة دقيانوس) تشير إلى الغزو الروماني بقيادة (اكتفيوس) وربما حرفت اسم القائد اللهجة المحلية فسموه (دقيانوس) ولعل التسمية تعرف الغزو الروماني(فنون الأدب الشعبي في اليمن البردوني ص 137) والحبشي معاً ومن المعروف أن لهجتنا المحلية في العصر الحديث كانت تسمي الأتراك (هماشلة) و(اروام) كما كانت تسمي الانجليز (سركال) وقياساً على هذا فإن سنة (دقيانوس) سنة الغزو الروماني في القرن الثالث الميلادي (في الحقيقة كان الغزو الروماني في 25 قبل الميلاد) ثم أصبحت تقليداً لأن (الجان) أعلى أمثال الشجاعة والإبداع القولي غير أن هذه الحكاية تستثير سؤالاً- والكلام هنا للبردوني -هل كانت الجموع قبل سنة (دقيانوس) خرساء من أي تعبير ؟ ربما كانت هناك أنواع من الترانيم لم تتحدد بتسمية وربما وقعت تسمياتها في غمار التسميات من الحكايات والأخبار أما (زامل الجان) فقد توارثته الرواية الشفهية جيلاً عن جيل إلى مطلع هذا العصر وفي أحداث الحرب تسبق دعوة الاستنفار ترديدات الزامل المذكور سابقاً ، وتتلو هذا الزامل صيحات تستحث الجموع إلى مكان الصوت المستغيث فتبدأ زاومل الحرب ((فنون الأدب الشعبي في اليمن البردوني ص 138) وإذا كان مكان المعركة قريباً كان الزامل من ضرب القصير.

قد يعجبك ايضا