الخبر اليمني-مسؤولية الخبر
موقع إخباري يمني مستقل يهتم بأخبار اليمن والعالم أولا بأول ويبحث تفاصيلها وأبعادها بدقة.

العشاء الأخير

أمل دنقل:

 
بكائية:
أعطني القدرةَ حتى أبتسم..
عندما ينغرسُ الخنجر في صدر المرح
ويدبُّ الموتُ، كالقنفذ، في ظلِّ الجدار
حاملا مبخرة الرعب لأحداق الصغار
أعطني القدرة.. حتى لا أموت
منهكٌ قلبي من الطرق على كل البيوت
علَّني في أعين الموتى أرى ظلَّ ندم!
فأرى الصمت.. كعصفور صغير
ينقر العينين والقلبَ، ويعوي..
في ثنايا كلِّ فم!
– 1 –
” الرياحُ ” اختبأت في القبو، حتى تستريحْ..
.. فيه من أرجحة الأجساد فوق المشنقة.
ووقفنا نحرس الباب، ونحمي الأرْوقة
بينما خيل المماليك تدق الأرض بالخطو الجموح
يقتفون الأثرا
يسألون الدرب عن خطوة ريح فيه، عن أية ريح!
فنغصّ البصرا:
ومضوا، والسنبكُ المجنون يهوي، فيصب الشررا
وتواروا في الحواري الضيقة
.. نحن عدنا نحمل البشرى لها
وهتفنا باسمها
وهززنا كتفيها، عبثا..
وتدلت رأسها في راحتينا.. ميتة!
نحن كنا نحرس الباب، ونحمي.. اللافتة
وهي – تعويذتنا – لم نحمها!
– 2 –
الخيول المسرجة!
صهلت، لكن هل الفرسان فرسان كما كانوا.. غدا؟
والمهاميز التي تحملها الأقدام.. غاصت في القلوب!
وسيوف ثلمت..
فقد استأجرها النخاس.. تحمي هودجه!
وسيوف قنعت أن تتدلى عند الاستعراض.. زينة!
وحمائل..
حملتها في دياجي الليل أضلاع المقاصل
ودفنا نبلها المقهور في عام البكاء
.. شبح الفرسان ما زال على وجه المدينة
صامتا يأتي إذا جاء المساء
صامتا ينفض أطرافَ الرداء
ويمد الجسدا..
فيمد الخوف في الليل يدا!
ثم يمضي، يحمل الأكفان، يسري في الدروب
يحمل الأكفان أثواب ركوب!
والمهاميز التي تحملها الأقدام.. غاصت في القلوب!
 – 3 –
التحيات ” مساء الموت ” يا قلبي
فلا تُلقِ التحية
– من تُرى مات؟
– أنا..
– أنت!
أجل.
أنت لا تملك يوما أن تموت.
– الحمامات لوت أعناقها
والتوى حتى لساني بالرَّطان
– أنت لا تعرف من أنت
– أنا:
منذ أن مات أبي..
كل من تعشقه أمي الثرية
كل من تعشقه أمي: أبٌ لي في العماد!
– ربما ” أحمس ” ربته امرأة
– ذهبُ الشمس العجوز انصهر
وهوى فوق نفايات الثرى
وأنا أبكي على تلِّ الرماد!
يفتح المخلب أجفان العيون
لتَرى.. لكن تُرى ماذا تَرى؟
(ساعة الحائط في معبد ” هاتور “.. انتهت دقاتها
وانتهت ” طروادة ” البكر.. على وهم الحصان!)
-.. أنا ” أوزوريس ” صافحتُ القمر
كنت ضيقا ومضيفا في الوليمة
حين أجلست لرأس المائدة
وأحاط الحرس الأسود بي
فتطلعت إلى وجه أخي..
فتغاضت عينه.. مرتعدة!
أنا أوزوريس، واسيت القمر
وتصفحتُ الوجوه..
وتنبأتُ بما كان. وما سوف يكون؟
فكسرتُ الخبز، حين امتلأت كأسي من الخمر القديمة
قلت: يا إخوةُ، هذا جسدي.. فالتهموه
ودمي هذا حلالٌ.. فاجرعوه “!
خبأ المصباحُ عينيه.. بأهدابِ جناحيه..
لكي تخفي الجريمة
وتثني الضوء من حد الخناجر!
– ربما أحياك يومًا دمعُ ” إيزيس ” المقدس
غير أنا لم نعد ننجب إيزيسَ جديدة
لم نعد نصغي إلى صوت النشيج
ثقلت آذانُنا منذ غرقنا في الضجيج
لم نعد نسمعُ إلا.. الطلقات!
(يفرض الرعبُ الطمأنينة في ظل المسدس..)
– الطمأنينةُ في ظل الحداد؟!
– سيدي.. نحن انزلقنا من ظهور الأمهات
بيد تضغط ثقب الجرح،
والأخرى  على حرف الزناد!
– 4 –
عندما يبتلع (الكورنيش) أضواء الغروب
تسعل الظلمةُ فيه والبرودة
يحمل الجوعُ إلى العار.. وليده
كلمات..
ثم تنسلُّ من البرد.. لدفء العربات
والمصابيح: شظايا قمر.. كان يضيء
حطَّمته قبضة الطاووس فوق الطرقات
ثم أهدته إلى النسوة.. كي يصلبنه فوق الصدور
يتباهين به.. وهو رفات!
كلمات.. كلمات
ثم تنسل من البرد لدفء العربات
وأنا ” يوسفُ ” محبوبُ ” زليخا “
عندما جئت إلى قصر العزيز
لم أكن أملك إلا.. قمرًا
(قمرًا كان لقلبي مدفأة)
ولكم جاهدت كي أخفيه عن أعين الحراس،
عن كلِّ العيون الصدئة
.. كان في الليل يضئ!
حملوني معه للسجن حتى أطفئه
تركوني جائعا بضع ليال..
تركوني جائعا..
فتراءى القمر الشاحب – في كفيَّ – كعكة!
وإلى الآن.. بحلقي ما تزال..
قطعة من حزنه الأشيب تدميني كشوكة!
* * *
أعطني القدرةَ حتى أبتسم..
فشعاع الشمس يهوي كخيوط العنكبوت
والقناديلُ تموتُ
قدمي تلتمس السُّلمة الأولى لكي أصعد فوقا
ويدي تلتمس الحاجز إذ أخشى السقوط
كيف أبقى؟
عفن الموتى، وأطياب الحنوط
نكهة تكسو فناء البيت، تسري في دمي عرقا فعرقا
.. منهك قلبي من الظلمة، إني لا أرى
آه لو لم ألتهمه – القمر الشاحب – لو..
ربما نور في الظلمة برهة
غير أني كنت جائعا
وأنا الآن فقدت القمرا.
…………..
جائع يا قلبي المعروض في سوق الرياء
جائع.. حتى العياء
ما الذي آكله الآن إذن..
كي لا أموت؟

ديسمبر 1963- ديوان البكاء بين يدي زرقاء اليمامة

قد يعجبك ايضا