الخبر اليمني-مسؤولية الخبر
موقع إخباري يمني مستقل يهتم بأخبار اليمن والعالم أولا بأول ويبحث تفاصيلها وأبعادها بدقة.

نتائج الحملة الرومانية على اليمن

كتاب تاريخ اليمن مقبرة الغزاة لمؤلفه عبدالله بن عامر (الحلقة الثامنة):

استمر الصراع في اليمن بين القوى المتنافسة على السيطرة المطلقة على الحكم وكانت الحملة الرومانية قد استهدفت مناطق نفوذ سبأ في وقت كانت تشهد فيه الساحة اليمنية توسع الريدانيين الحميريين الذين تمكنوا من مد نفوذهم إلى ذمار وقاع جهران والى السواحل في البحرين الأحمر والعربي وعلى ما يبدو أن الريدانيين الحميريين قد استغلوا انشغال السبئيين ومعهم حلفاؤهم الحضرميون في التصدي للحملة الرومانية وذلك للتوسع والاستيلاء على مناطق إستراتيجية (اليمن والحبشية ص 90) ألا أن ذلك لم يستمر فسنجد بعد الحملة الرومانية السبئيين يباشرون سياسة استعادة التوسع والنفوذ من خلال الحفاظ على القيعان الزراعية الإستراتيجية كالرحبة وصنعاء ويعملون على محاصرة التوسع الريداني الحميري بأساليب عدة منها الاستيطان السكاني واستخدم ملوك سبأ اللقب (ملوك سبأ وذي ريدان) (في العربية السعيدة ج2 ص 60) أما على الصعيد الإقليمي والدولي فإن الهزيمة التي لحقت بالإمبراطورية الرومانية دفعتها إلى محاولة الانتقام وذلك من خلال تحركات سياسية مكثفة توجت بإقامة علاقات ودية مع مملكة أكسوم (الحبشة) التي كانت في تلك الفترة قد برزت كقوة إقليمية صاعدة ولها نفوذ بحري ينافس اليمنيين ولهذا اندفعت روما إلى التحالف مع اكسوم من أجل السيطرة على طريق التجارة البحري والإضرار بالاقتصاد اليمني (أنظر د. حسين مروه -النزاعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية ص 129).
وعلى ما يبدو أن تضرر اليمنيين من التحالف بين الحبشة والرومان لا يعود سببه فقط إلى إنعاش طريق التجارة البحري على حساب الطرق البرية المارة بالممالك اليمنية بل إلى محاولة الحبشة إيجاد موطئ قدم لها في اليمن من خلال احتلال الساحل الغربي ومنع اليمنيين من الاستفادة من موقعهم الجغرافي المطل على الطريق البحرية المارة بخليج عدن وحتى باب المندب والى البحر الأحمر ، وعلى صعيد نتائج الحملة على قادتها فقد أدى فشلها إلى إقالة قائدها اليوسغالوس من منصبه كحاكم لمصر حيث أعفاه الإمبراطور أغسطس من منصبه (26- 24ق . م ) أما الوزير سلي فقد واجه حكم الإعدام لذات السبب إضافة إلى اتهامه بالخيانة حتى أن استرابون حمله مسؤولية فشل الحملة بالدرجة الأولى .
ومن النتائج أيضاً أنه من الصعوبة على إمبراطورية كروما أن تتحمل تلك الهزيمة حتى لا تؤثر على سمعتها كإمبراطورية عظمى فذهبت إلى إخفاء تلك الحقيقة عبر اعتماد رواية استرابون الذي تطرق إلى مبررات الفشل ولهذا نجد أن الإمبراطورية دفعت كتاب ومؤرخين آخرين إلى مسايرة ما ذهب إليه استرابون وموافقته فها هو المفكر (دي كاسيوس) يعيد إخفاق الحملة إلى الطبيعة القاسية للجزيرة العربية حيث الصحراء والشمس الملتهبة وندرة المياه ، ورغم ذلك فقد تضاعف الاهتمام باليمن فقد استمر الكتاب الرومان في الحديث عن جنوب شبه الجزيرة العربية وكانوا يهدون أعمالهم إلى القادة والمسؤولين واستمرت تلك الكتابات تدفع أولئك القادة إلى التفكير مجدداً بالسيطرة على اليمن فقد كانوا مشغوفين بهذه البلاد وبما فيها من عجائب وكنوز ومن أولئك قايوس قيصر حفيد الإمبراطور أغسطس وابنه بالتبني، وقد حاولت الإمبراطورية الرومانية تعويض عجزها العسكري في احتلال اليمن من خلال التفكير في تطوير التجارة البحرية مع مختلف البلدان وذلك من خلال تعزيز قوتها البحرية للسيطرة على طرق التجارة.
وقد شكلت الحملة وكذلك رحلات المفكرين الرومان إلى اليمن الاستكشافية صورة عن اليمنيين وعن الطبيعة الجغرافية لليمن فنجد في تلك الكتابات ما يشير إلى الحميريين كانوا القوة الأكبر من حيث العدد والمساحة الجغرافية تليهم قوة السبئيين الذين كانوا ينشطون في التجارة والذهب والزراعة والمعينيون لهم ثروة حيوانية ويعملون في الزراعة والحضارم فإنهم يتميزون بالحرب وأما إلى جهة الشمال فهم أيضا في الزراعة ولهم حقول واسعة ويتحدث المؤرخ جواد علي عن مرحلة ما بعد الحملة بالنسبة للرومان بالقول : لم تصل إلينا أخبار مفصلة عن مشروعات الرومان في جزيرة العرب بعد هذه الحملة، والظاهر أنهم غيروا خططهم السياسية، وكيفوها تكييفًا جديدًا، يوائم التطور الذي حدث في الموضع العالمي في القرن الأول للميلاد، ويناسب الدروس التي تعلموها من حملتهم المخفقة المذكورة. فلم يفكروا في فتح عسكري مباشر
لجزيرة العرب يكون متجهاً من الشمال للجنوب، مخترقًا الطرق البرية، بل رؤوا تقوية أسطولهم في البحر الأحمر، وتحسين علاقاتهم السياسية بالإمارات العربية وبسادات القبائل، للمحافظة على مصالحهم الاقتصادية، وتوجيه أنظارهم نحو ساحل إفريقيا وحكومة الحبشة، فعقدوا اتفاقيات صداقة ومودة مع حكام «أكسوم»، وكونوا حلفاً معهم، وبذلك أخذوا يضغطون منذ ذلك العهد على السبئيين.(المفصل ص 60)

أول صفعة للإمبراطورية الرومانية :
يقول أحد المؤرخين الايطاليين ما معناه إن هزيمة الرومان في اليمن أحدثت دوياً هائلاً بين شعوب البلدان الواقعة في قبضة الإمبراطورية الرومانية مما هز صورتها القوية أمامهم وكانت تلك الهزيمة أول صفعة تلقتها روما وهي في أوج قوتها وجبروتها وغطرستها فقد كان انتصار اليمنيين بصيص أمل للشعوب المغلوبة على أمرها للتخلص من مخالب الرومان القاسية وكانت مصر الواقعة في الطرف الشمالي من البحر الأحمر أول البلدان التي انفجرت فيها براكين وثورة الغضب ضد الرومان ( سقوط الإمبراطورية الرومانية في اليمن محمد زكريا – يومية 14 أكتوبر عدد رقم (13861) 27 أغسطس 2007) ويقول بعض المؤرخين إنه لو تم مشروع احتلال اليمن على ما حلم به أغسطس كان حكم روما قد بلغ اليمن وربما سواحل إفريقيا أيضا إلا أن سوء التقدير والاستهانة بطبيعة الجزيرة العربية وغيرها من العوامل أدى إلى انتكاسة شديدة في هيبة روما وفي مشاريعها التي رسمتها وإرادات تنفيذها في الجزيرة العربية (المفصل في التاريخ القديم ج3 ص 43 و44).
وعموماً فإن روما تكبدت العديد من الخسائر في الأرواح والمعدات نتيجة تلك الحملة الفاشلة التي شنتها على اليمن وأدى ذلك إلى النيل من معنوياتها وانكسار هيبتها أمام العالم القديم وبناءً على ذلك فأنها أخذت بتحسين علاقتها التجارية والسياسية مع العرب ولا سيما اليمن إذ استمرت تجارة البخور والعطور وغيرها من السلع التي كان يتاجر بها اليمنيون ودبلوماسياً سعت روما إلى تطبيع علاقاتها مع اليمن سيما في عهد نيرون الذي كان له علاقات جيدة مع الملك السبئي كرب إيل وتر (حنان عيسى جاسم -السياسة الرومانية تجاه جنوب الجزيرة العربية مجلة الدراسات التاريخية العدد 17 – يونيو 2013م ص 334)

الحملات الرومانية على عدن :
أمام حالة التفكك والضعف والوهن التي شهدتها اليمن خلال القرن الأول الميلادي والتي كانت امتداداً للصراع بين القوى والمراكز منذ ما يقارب 150 سنة ق . م فقد تمكن الرومان من إيجاد موطئ قدم لهم في السواحل الجنوبية لليمن ورغم أن المصادر التاريخية لم تتطرق بشكل مفصل إلى مرحلة النفوذ الروماني على أي منطقة في الساحل الجنوبي لليمن إلا أن هناك ما يشير إلى أن الرومان تمكنوا من الحصول على مرفأ لهم في باب المندب (تاريخ حضرموت الحامد ص 110) وبعض المؤرخين تحدثوا عن حملة رومانية ثانية توجهت إلى عدن ( عقاب ) وأصبحت عدن منذ ذلك الوقت تسمى مستودع الرومان( سليمان الذيب الحملة الرومانية على جنوب شبه الجزيرة العربية ) وفي تفاصيل تلك الحملة فإن حفيد أغسطس ويدعى جايوس قيصر قاد حملة عسكرية بحرية في العام الأول الميلادي إلى عدن وقد تمكن من إقامة حامية عسكرية في المدينة ، وقبل أن تتجه الحملة كان الإمبراطور أغسطس قد أمر أحد الخبراء ويدعى ديونيسيوس (مؤلف كتاب وصف العالم) بجمع المعلومات الجغرافية ووضعها تحت تصرف حفيده جايوس ، وعلى ما يبدو أن الرومان لم يسيطروا على عدن عسكرياً بل تمكنوا من التوغل إليها عن طريق النشاط التجاري وهو ما يتضح من خلال تواجد جالية لهم وأتباع في تلك الفترة بعدن .
وهذا التواجد كان باتفاق مع اليمنيين الذين كانوا مشغولين بصراعهم الداخلي وما يؤكد أن التواجد الروماني في عدن لم يكن عسكرياً هو أن وفاة الإمبراطور الروماني أغسطس كان في العام الرابع قبل الميلاد ،فيما من تطرق إلى الحملة العسكرية الثانية أرخها بالعام الأول الميلادي وهذا تناقض كبير فوفاة أغسطس حالت دون تنفيذ الحملة. (أنظر حوراني البرت – العرب والملاحة في المحيط الهندي في العصور القديمة وأوائل القرون الوسطى ترجمة سعيد يعقوب بكر القاهرة–نيويورك 1958 ص 90- 108) ومما سبق فإن عدن كانت تحت النفوذ التجاري الروماني بحكم السيطرة على التجارة من قبل الرومان ووجود جالية رومانية إلا أنهم لم يحتلوا جنوبي الجزيرة العربية في يوم من الأيام( الدكتور احمد فخري اليمن ماضيها وحاضرها ص 115) وبحسب بعض المؤرخين فإن روما اتجهت بعد فشل حملتها العسكرية إلى السيطرة على المرافئ التجارية في البحر الأحمر وبحر العرب فعمدت إلى إنشاء قاعدة عسكرية في ميناء لويكة كوما شمال البحر الأحمر وعقدت تحالف مع الريدانيين الحميريين وكانت من نتائج هذه المعاهدة وجود حامية عسكرية رومانية في عدن (حنان عيسى جاسم السياسة الرومانية تجاه جنوب الجزيرة العربية مجلة الدراسات التاريخية العدد 17 – يونيو 2013م ص 335).
ويذكر مؤلف كتاب الطواف حول البحر الاريتري أن القيصر استولى على ميناء عدن ودمره ، ويعتقد البعض أن ذلك القيصر هو كلوديوس (41-54 م) وكان ذلك الاستيلاء أو التدمير عن طريق حملة عسكرية بحرية شاركت فيها مملكة أكسوم فيما يرى بعض الباحثين أن احتلال عدن كان بعد حملة اليوسجاليوس بقليل وذلك بعد إخفاق تلك المحاولة الرامية إلى بلوغ المحيط الهندي من البر والاستيلاء على العربية الجنوبية، تعويضًا عن تلك الخطة الخائبة، فنجح الرومان في الاستيلاء على الميناء من البحر، وذلك في حوالي السنة «24» بعد الميلاد، وهو زمن غير بعيد عن حملة «أوليوسغالوس» ويذهب مؤرخون آخرون أن الحملة الرومانية لاحتلال عدن قد وقعت في أيام كايوس قيصر أو أيام كلوديوس أو نيرون ، وعلى ما يبدو أن الاختلاف بين المؤرخين حول تحديد من هو القيصر الذي استولى على عدن يجعلنا أمام عدة احتمالات أبرزها أن الحملة للاستيلاء على عدن لم تكن حملة واحدة بقيادة قيصر واحد بل حملات متعددة في أزمنة مختلفة بمعنى أن أكثر من قيصر حاول الاستيلاء على عدن واستمرت تلك المحاولات طوال القرنين الأول والثاني الميلاديين.
وتتبدى أمامنا قضية تاريخية هي التنافس بين ميناءين يمنيين الأول عدن والثاني المخا الذي ظهر كما تحكي النقوش في القرن الثاني قبل الميلاد فعندما يضعف عدن يقوى المخا والعكس وتظل هذه القضية مستمرة حتى وقتنا الحاضر ، ولعل ما دفعنا إلى التطرق لهذا هنا ما دونه بعض المؤرخين الرومان من أن اكتشاف البطالسة في مصر سر استخدام الرياح الموسمية أدى إلى قلة الاهتمام بميناء عدن بل إلى الاستغناء عنه بشكل نهائي فقد كانت السفن تبحر بشكل مباشر إلى الهند لكن ظهر في تلك الفترة ميناء موزا (موزع) الذي أصبح بديلاً عن عدن وصار مرفأ تجاريا مهما منذ تلك الفترة (للمزيد في العربية السعيدة ج2 ص 58 و 59) ونلاحظ في التاريخ كيف أن التنافس ظل بين عدن والمخا حتى قرر البريطانيون احتلال عدن ،فقد ارتبط نجاحهم في عدن بإنهاء الدور التجاري الكبير الذي كان يلعبه المخا فلا نهوض لميناء عدن إلا بتدهور المخا ، وإذا ما افترضنا صحة النفوذ الروماني على عدن مطلع القرن الأول للميلاد فإن الريدانيون الحميريون اتجهوا إلى تطوير ميناء موزا جنوب غرب اليمن بدلاً من السيطرة على عدن لتجنب الاصطدام بالرومان لكنهم سيصطدمون بقوة متحالفة مع الرومان وهي اكسوم التي ستحاول احتلال كامل الساحل الغربي لليمن كما سنعرف في الفصل التالي.

طرد الرومان من سقطرى :
يذكر المؤرخ الحسن الهمداني (الإكليل الجزء الأول ص 193) أنه كان في سقطرى عشرة آلاف مقاتل من الروم وأن قبائل المهرة تمكنت من هزيمتهم ورغم أن المؤرخ لم يعطنا تفاصيل أكثر إلا أننا ومن خلال النص الذي وردت فيه عبارة (وكانوا نصارى) في إشارة إلى دين الجيش الروماني الذي احتل الجزيرة وهو ما يعني أن احتلال الجزيرة جرى بعد ظهور المسيحية أي خلال القرون الأولى للميلاد وأن أبناء المهرة لم يرتضوا بالاحتلال وقاوموه بشراسة حتى كتب الهمداني «عبرت إليهم مهرة فغلبت عليهم وعلى الجزيرة» (نفس المصدر) وعلى ما يبدو أن الإمبراطورية البيزنطية أرادت ضم سقطرى إليها ودفعت ببعض أتباعها إلى الاستيطان بالجزيرة إضافة إلى عشرة آلاف مقاتل ، غير أن قبائل المهرة وقفت حجر عثرة أمام هذا المشروع وأفشلته وسنرى في مراحل التاريخ كيف أن هذه القبائل ستحافظ مستقبلا على الجزيرة وستقاتل بشراسة كافة الغزاة وترفض بيعها ويذهب بعض المؤرخين إلى أن التواجد الروماني في سقطرى كان قبل الميلاد وعندما ظهر المسيح تنصر من فيها وهم عبارة عن مستوطنين كانوا في خدمة الدولة البيزنطية وتذكر بعض الإخباريات كما تحدث المؤرخ جواد علي أن المفكر الشهير ارسوا هو من أشار على الإسكندر بإجلاء أهل سقطرى وإسكان طائفة من اليونانيين بها بما يعني أن أول محاولات احتلال الجزيرة يعود إلى زمن الإسكندر المقدوني وتحديداً عندما أعد جيشه لغزو اليمن ويذكر صاحب كتاب الطواف حول البحر الاريتري أن جزيرة سقطرى كانت تابعة لحكم اليعزوز ملك سباتا أي شبوة ما يدل على أن الجزيرة كانت تابعة لليمن منذ ما قبل تلك الفترة (المفصل ج3 ص 24) .ولم يأت القرن الأول للميلاد إلا وكان في الجزيرة جالية رومانية استوطنت الجزيرة إلى جانب السكان المحليين (سقطرى جزيرة الأساطير ص 52).

الحملة الرومانية الثانية 201م :
لم يتوقف قادة روما في التفكير بضرورة احتلال اليمن وأعدوا لذلك الجيوش والحملات العسكرية البرية والبحرية قبل أن يتشكل تحالفهم مع الحبشة ليبدأ ذلك التحالف بإرسال الحملة تلو والأخرى لإخضاع اليمن ليمتد الصراع بين اليمنيين والغزاة ،تحالف الروم والحبشة لأكثر من ستة قرون وبدأت تلك الحملات بحملة اليوسغاليوس والتي كانت حملة رومانية دون مشاركة الأحباش وما أعقبها من حملات شاركت فيها أكسوم سواءً تلك التي استهدفت عدن أو حملة أخرى لم تتطرق إليها الكثير من المصادر التاريخية في العام 201م أي مطلع القرن الثالث للميلاد وهو القرن الذي شهدت فيه المنطقة حرباً شرسة بين اليمنيين من جهة وبين الغزاة الرومان والأحباش من جهة أخرى ، فقد أرسل القيصر سبتيموسسفيروس حملة عسكرية تمكنت من التوغل في العربية السعيدة وبحسب ما كتب عن تلك الحملة أنها وصلت إلى مناطق الأعراب وهي المناطق التي يتحدث عنها المؤرخون اليمنيون بأنها الشمال اليمني أي عسير وجيزان ونجران إضافة إلى مناطق الممالك اليمنية شمال الجزيرة العربية ويقول المؤرخ جواد علي إن تلك الحملة تقدمت من المقاطعة العربية التي أوجدها الرومان منذ عهد الإمبراطور تراجان على حطام مملكة النبط وإن الذي قاد تلك الحملة على اليمن هو القيصر سبتيموسسفيروس الذي اشتهر فيها (المفصل ج3 ص 66).
وبحسب بعض الباحثين الذين تطرقوا لتلك الحملة فإنها لم تتمكن من التوغل أكثر في اليمن فأقصى ما وصلت إليه كانت ما يسمى ديار ثمود وعلى ما يبدو أن مقاومة ما كان يطلق عليه بعض المؤرخين مناطق أعالي العربية السعيدة وراء إيقاف توغل الجيش الروماني إلى المناطق الداخلية لليمن وأغلب المصادر التي تحدثت عن تلك الحملة الرومانية فلم نجد نقوشاً مسندية أو روايات إخبارية تشير إلى ذلك الحدث الخطير سوى أن المؤرخ الإرياني أشار في تفسيره لما ورد في أحد النقوش إلى أن القبائل شمال اليمن أو ما كان يسمى بمناطق الأعراب أثارت الخلافات مع الرومان دون أن يتطرق إلى أي تفاصيل إضافية ، وبالتأكيد أن الحملة الرومانية الثانية أو بالأصح الثالثة إذا اعتبرنا حملة عدن هي الثانية بغض النظر عن أهدافها إلا أنها جاءت بالتزامن مع حروب شرسة كان اليمنيون يخوضونها ضد الأحباش في المناطق الغربية لليمن وبحكم ارتباط التحرك العسكري الأكسومي بروما فإن الحملة العسكرية التي نحن بصدد الحديث عنها لا يمكن فصلها عن مجريات الاحتلال الحبشي بل قد تكون مرتبطة به وليست سوى دعم روماني مباشر للأحباش في بسط سيطرتهم على اليمن فكان الجيش الروماني يغزو من الشمال فيعمل على تأديب الأعراب الذين كان لهم دور في تشكيل جيوش السبئيين والحميريين فيما الأحباش يتولون مهمة الغزو من البحر والتمركز في الساحل الغربي والسيطرة عليه وهو ما سنتابعه في الفصل القادم.

 

 

 

قد يعجبك ايضا