الخبر اليمني-مسؤولية الخبر
موقع إخباري يمني مستقل يهتم بأخبار اليمن والعالم أولا بأول ويبحث تفاصيلها وأبعادها بدقة.

الغزو الأكسومي على اليمن

كتاب تاريخ اليمن مقبرة الغزاة-تأليف عبدالله بن عامر (الحلقة التاسعة)

الغزو الروماني لليمن كان موضوع الفصل الأول من هذا الكتاب التاريخي الهام “ تاريخ اليمن مقبرة الغزاة” للباحث عبدالله بن عامر استعرضنا فيه وعبر ثمان حلقات الحملة الرومانية الأولى وعلى اليمن والتي سبقها تطلعات وأحلام الاسكندر المقدوني لغزو اليمن وأصبحت واقعاً في عهد الإمبراطور الذي تلاه إلا أن تلك الحملة منيت بالهزيمة وأحبطت كل الحملات الرومانية التي جاءت بعدها وهو ما أرغم الرومان على استخدام الحرب بالوكالة والعدوان غير المباشر من خلال التحالف مع مملكة أكسوم وهو تحالف غير ندي بين دوله عظمى ودولة أقليمية هي جار لملكة سبأ العظمى .. في هذا الفصل سنتناول الغزو الحبشي لليمن مستعرضين ما أورده الباحث من أسباب ومبررات وتفاصيل وحقائق شكلت لدبه الصورة الكاملة لستة قرون من التدخل الحبشي في اليمن فإلى الحصيلة:

عرض/ امين ابو حيدر
بلاد العرب سبأ وحمير وحضرموت كانت تتعاون فيما بينها عند الضرورة أو عند إحساسهم بخطر أجنبي فها هم السبيئون يناصرون الحميريين للتصدي لحملة حبشية استهدفت عاصمتهم ظفار»، وقد استمر الشعور اليمني بضرورة مقاومة المحتل على مدى القرون التي شهدت تدخلاً عسكرياً من قبل مملكة أكسوم حتى في المرحلة الأخيرة التي كانت اليمن وقتها قد شهدت تحولات اجتماعية وثقافية أبرزها دخول ما يمكن تسميته الصراع الديني الذي غلف الصراع الحقيقي الاقتصادي والسياسي فالحكم الحبشي لليمن واجه مقاومة ضارية من كافة اليمنيين بمختلف فئاتهم بما فيهم الوثنيون والمسيحيون واستطاعوا طرد المحتل وتحقق الاستقلال والاستقرار .
وفي تتبع تفاصيل المقاومة اليمنية للأحباش نجد أن أغلب المؤرخين تطرقوا إليها في مؤلفاتهم بشكل متفرق اعتماداً على النقوش القديمة التي تعود إلى تلك الفترة ومنها نجد حجم سيطرة الأحباش الذين كانوا قد توغلوا إلى المراكز الرئيسية في المناطق الجبلية قبل أن ينسحبوا وعلى وقع المعارك الضارية إلى بلاد المعاهر التي كان مركزها في وعلان ببلاد ردمان القديمة في السوادية الحالية بمحافظة البيضاء وكانت القوات الحبشية أثناء تلك المواجهات الشرسة والمحتدمة تحت قيادة بيجه ابن ملك أكسوم جدرت ، ولم تتجرأ على مهاجمة المناطق الداخلية لليمن إلا وقد تمكنت من إحكام سيطرتها على الساحل الغربي لليمن من ينبع شمالاً إلى باب المندب جنوبًا .
ويوضح ذلك مدى التوسع الذي حققته أكسوم مستفيدةً من الاضطرابات التي أضعفت مختلف القوى اليمنية المتصارعة، وبهذا تكون أكسوم قد منعت اليمنيين من الإطلالة على البحر الأحمر وأغلقت عليهم الطريق إليه بمبادرتها إلى نقل المعركة إلى المناطق الجبلية التي عادة ما يكون القتال فيها أكثر صعوبة بالنسبة للأحباش، وعلى ما يبدو فقد دفعت تداعيات وآثار السيطرة الأجنبية على السواحل اليمنية القوى المحلية إلى بذل الجهود من أجل عقد الصلح فيما بينها، فنجد أن سبأ تبادر لعرض التوافق مع حمير وذلك بعد أن كانت حمير بقيادة شمر قد تحالفت مع الغزاة.
300عام من المقاومة :
بدأ الصراع اليمني الأكسومي نهاية القرن الأول للميلاد وتصاعد بشكل كبير مطلع القرن الثالث واستمر حتى النصف الثاني من القرن الرابع ويقول المؤرخ بافقيه إن الأحباش كانوا يحتلون تهامة اليمن بأكملها من عدن إلى جيزان ويتحكمون بذلك في تجارة البحر الأحمر .
وإن الحرب ظلت مشتعلة طوال القرن الثالث ولم تنفرج ضائقة تلك الحروب التي تعود بدايتها إلى القرن الأول الميلادي إلا بتحقيق الوحدة بين سبأ وحمير إذ بذلك زال التناقض بين العنصرين الكبيرين المذكورين بما يمثلانه من أراضٍ واسعة ومنيعة تمتد بين عدن ونجران وكثافة سكانية كانت هي الوقود الأساس لحرب الثلاثمائة عام وبعد أن تحققت تلك الوحدة في العهد المشترك لياسر يهنعم وابنه شمر وحيداً على العرش يواصل تصفية الجيوش الحبشية في تهامة .
وما تخبرنا به النقوش القديمة يثير فينا الكثير من التساؤلات حول مستوى ضراوة المعارك والمواجهات التي خاضها اليمنيون ضد الغزاة الأكسوميين، ونكاد لا نستطيع تحديد فترة زمنية محددة من القرون الثلاثة الأولى للميلاد حتى نقول إنها فقط دون غيرها شهدت معارك حاسمة ومواجهات دامية بل إن القرن الثاني للميلاد وكذلك الثالث شهدا مواجهات مستمرة امتدت إلى القرن الرابع الذي تمكنت فيه المقاومة اليمنية من تحقيق انتصار حاسم انعكس فيما بعد على حضور الكيان اليمني في الإقليم والعالم وتعززت به الذاتية اليمنية التي اتجهت نحو استعادة الحضور تحت ظلال الاستقلال والحرية، ولعل ما يميز المقاومة اليمنية للغزو الحبشي هو استمراريتها رغم المدة الطويلة التي أخذتها وهي تحاول الوصول إلى نهاية الطريق بتحرير كامل الأراضي المحتلة ولم يدفعها طول المدة إلى التقاعس أو التكاسل أو إلى الركون لعوامل أو متغيرات خارجية تساعد على تحقيق الهدف بل كانت الدماء اليمنية تشكل جسور العبور الصلبة نحو استعادة المكانة الدولية وعلى وقع التضحيات المؤلمة والجسيمة سار اليمنيون جيلاً بعد جيل في طريق الفدائية النضالية فكلما غادر ملك تقدم من يليه لقيادة الجيوش وكلما تعثر أو تقاعس قيل أو قائد دفعه الآخرون إلى مواصلة المسيرة ولهذا نجد أن الكثير من الملوك والقادة والأقيال شاركوا في تلك المعارك ونقلت لنا النقوش بعضاً من تفاصيل تلك المعارك وأسماء عدد لابأس به من الملوك والقادة الذين تصدوا للغازي وشرعوا في مقارعته ، وقد تطرق المؤرخون اعتمادا على النقوش القديمة إلى أغلب تلك المعارك التي دارت بين اليمنيين والأحباش منهم من توسع في استنتاجاته وأضفى على ما ورد فيها تحليلاً عسكرياً لطبيعة المعارك والتكتيكات القتالية الأمر الذي قد يثير الشكوك لدى البعض حول مدى صحتها لكن نجد أنها متطابقة تماماً مع ما أورده معظم المؤرخين لتلك الفترة منهم المؤرخ بافقيه وجواد علي والأشبط والإيراني، وعُدنا كذلك إلى مجموعة نقوش الكهالي ونقوش جام وريكمانز وغيرهما وإلى نقوش مسندية للإرياني.
توغل الأحباش في عهد الملك شاعرم أوتر :
استغل الأحباش انشغال الملك شاعرم أوتر أو شعر أوتر بتوطيد حكمه وتوسيع نفوذه وحربه مع حضرموت في التوغل داخل الأراضي اليمنية وهو ما تكشفه لنا النقوش المسندية منها (جام 741 و 756) وفيها أن جيش الملك هاجم مناطق شبوة من البر والبحر واستولى على قنا وللنص الموسوم بـGeukens I صلة بهذه الحرب وبانتقام جيش «شعر أوتر» من «بني ردمان» الذين أرادوا مباغتة جيشه من المؤخرة وتدميره. ويظهر منه أن القائد «أسدم أسعد» «أسد أسعد»، الذي كان معسكرًا مع الجيش في مدينة «القاع» ومعه قائد آخر هو «ربيبم أخطر» «ربيب أخطر»، خرجا من هذه المدينة مع جيش الملك «شعر أوتر» لمحاربة «قتبان» و«ردمان» و«مضحيم» و«أوسان»، وانضمت إليهما قوة من «بني بكيل»، قبيلة القائدين وبقيا مع الملك يحاربون معه حتى بلغ مدينة «قنا». ولما رجعا إلى وطنهما، رجعا بغنائم كثيرة وبأموال طائلة حتى وصلا إلى مدينة «حرمتم» «حرمت» «حرمة». ولما وصل «أسد أسعد» إلى موطنه، وجد أن الأحباش كانوا قد اغتنموا فرصة انشغال جيش «شعر أوتر» بمحاربة «العز» فأغاروا عليه وأصابوه بأضرار كبيرة. ويظهر أنهم أغاروا عليه وعلى أرضٍ أخرى كانت تابعة للملك «شعر أوتر»، في أثناء هجوم الردمانيين على مؤخرة جيش «شعر»، ولعل ذلك كان باتفاق قد تم بينهم وبين بني ردمان. ومهما كان الأمر فإن تحرش الأحباش هذا بـ«شعر أوتر» دفعه إلى الانتقام منهم ومحاربتهم .
حروب الملك شاعرم أوتر ضد الغزاة :
شملت حرب الملك شاعرم أوتر ضد الغزاة الأحباش عملاءهم في الداخل وكافة المتعاونين معهم وامتدت تلك الحرب من حدود قبيلته حاشد إلى أراضي خولان العالية ،فبلاد سهرت والأشاعر ونجران وحتى وادي الدواسر وأراضي قبيلة كندة في أواسط الجزيرة العربية .
وعلى ما يبدو أنه في عهد شاعرم أوتر ساءت العلاقة مع الأحباش لدرجة أن الملك قاد ثورة على التواجد الحبشي بعد أن كانت العلاقة طيبة بين الأحباش والسبئيين في عهد والده علهان بن نهفان .
وقد نفّذ الجيش اليمني عملية عسكرية نوعية ضد الأحباش وقام بغزو المناطق التي يسيطرون عليها وقد تولى قيادة ذلك الجيش أحد أهم الأقيال وهو (قطبان أوكن بن جرت) من قبيلة سمهر .
وهو من القادة الكبار التابعين للملك شاعر أوتر وقاد حملة كبيرة للانتقام ممن تجاسروا وشنوا حرباً على الملك شاعر أوتر من البر والبحر (يقول المؤرخ بافقيه إن مجرد ذكر البحر يشير إلى مشاركة الأحباش في تلك الحروب) وتمكّن من تكبيدهم خسائر كبيرة في الأرواح والأموال وقد كلفه سيده شاعر أوتر بمهاجمة أرض الأحباش وملك أكسوم (جدرة) فنفذ مهمته وعاد سالماً غانماً من معاركه ضد قوات أكسوم، ويرى البعض أن المهمة إلى أكسوم لم تكن عسكرية .
معركة ظفار :
تقدم قطبان أوكن على رأس عدد من المقاتلين من أبناء قبيلته إلى مدينة ظفار التي على ما يبدو أن القوات الحبشية وصلت إليها بقيادة بيجه وفرضت الحصار عليها وهو ما يظهر من تفاصيل معارك تحريرها الواردة في النقش (جام 631) وعندما سارع قطبان مع أبناء قبيلته (سمهرميهولد) وشن هجوماً ليلياً على الأحباش وانتزع منهم جزءاً من مدينة ظفار فتجمعوا وتحصنوا داخل حصن يقع وسط المدينة وأخذوا يقاومونه لكنهم لم يصمدوا طويلاً حيث وصلت قوات الملك العزيز ينوف يصدق ملك سبأ وذي ريدان لتعزيز قوات قطبان والتحمت بها وهاجمت الأحباش في عملية تطويق فتمكنوا من محاصرة الأحباش وأنهكوهم وقتلوا منهم الكثير وفي اليوم الثالث التقت فرقة خاصة من الجيش وبعض قبائل ذي ريدان وتقدموا من ذمار للهجوم على معسكر القوات الحبشية ، وبالفعل حدث الهجوم وقتل من الأحباش 400 جندي تقطيعاً بحد السلاح (يقول العقيد الحارثي إن هذه خدعة حربية بارعة حيث ظلت قوة الحصار في أماكنها مواصلة مشاغلة العدو وبينما شنت عليه هجوماً مباغتاً قوات أخرى تولت اكتساحه وهزيمته وقد قاد قوة المباغتة القائد يهبر وقد نجحت الخطة وخسر الأحباش فيها 400 قتيل قُطعت رؤوسهم بالسيف) وأعقب ذلك تنفيذ عملية مطاردة واسعة للأحباش الفارين من أرض المعركة وقد تكفل بهذه المطاردة القيل قطبان وأفراد قبيلته ومعهم بعض رماة بن ندف المعفريين وقد تمكنوا من قتل عدد من الأحباش وأسر أعداد أخرى، وعلى ما يبدو أن خبرة قطبان العسكرية دفعته إلى اصطحاب عدد من الرماة معه لتصيد الأحباش ، وقد أجبرت المقاومة المتشكلة من القبائل والجيش النظامي وقتها الأحباش على التقهقر نحو المعاهر.
الملك يأمر جيشه بغزو الحبشة رداً على غزوها اليمن :
يبدو أن الملك شاعرم أوتر غضب كثيراً لغزو الأحباش اليمن فقد تفاجأ بذلك الغزو أثناء ما كان مشغولاً بحروبه ضد القبائل المتمردة عليه فأصدر أوامره لقائد جيشه قطبان أوكن بمعاقبة كافة المتمردين وكل من قدّم المساعدة للغزاة الأحباش ثم ينطلق على رأس حملة عسكرية إلى الحبشة لغزوها وتأديب ملكها جدرت (ملك الحبشة وأكسوم) فسارع القائد إلى وضع الخطط العسكرية لتنفيذ الأوامر وبحسب النقوش المسندية فإن ذلك القائد نفذ مهمته بنجاح وغزا الحبشة ثم عاد بجنوده سالماً إلى اليمن.
وبحسب المؤرخ جواد علي فإن النص لم يشرح كيف بلغ القائد أرض الحبشة، وهل قصد بأرض الحبشةِ الحبشةَ المعروفة والسواحل الأفريقية المقابلة لبلاد العرب، أم قصد موضعاً آخر في العربية الجنوبية؟ ولكن الذي يقرأ النص ويدقق في جمله ويوفق بين معانيها، يخرج بنتيجة تجعله يرى أن المراد من جملة «على أرض الحبشة إلى جدرت ملك الحبش والأكسوميين»، أرض الحبش في أفريقيا؛ لأن الملك «جدرت» ملك الحبشة وأكسوم لم يكن يقيم في بلاد العرب، ولكن في أفريقيا، فأمر «شعر أوتر» قائده بالسير إلى أرض الحبشة إلى «جدرت»، معناه التوجه إلى أفريقيا لمحاربة النجاشي «جدرت»، أما «الحبش» الذين كانوا في بلاد العرب، فقد كانوا تحت حكم «بيجت ولد النجاشي»، فلا يمكن أن تكون الأرض المحتلة هي المقصودة. والظاهر أن القائد المذكور ركب البحر مع جنوده من «الحديدة»، وتوجه منها إلى السواحل الأفريقية فنزل بها، وباغت أهلها بغزو من وجده أمامه، ثم جمع كل ما ظفر به من أموال ومن أناس أسرهم وعاد بهم وبالأموال مسرعاً إلى بلاده، فاشترك في بقية المعارك التي ذكرها في نصه، وفي جملتها محاربة الحبش الذين تحت إمرة «بيجت».
و«معاهر» على ما يظهر حصن «وعلان» في «ردمان».
وقد انتهت المعارك التي جرت مع الحبش النازلين في السواحل الجنوبية من جزيرة العرب بطردهم عن «ظفار» المدينة التي احتلوها، وصاروا يهاجمون منها جيش «شعر أوتر»، وطُردوا من كل أرض «معافر»، ولكنهم ذهبوا إلى «معاهر» «معهرتن» حيث بقوا هناك.
ويظهر أن الأحباش ومن انضم إليهم من قبائل باغتوا حكومة «شعر أوتر» بالهجوم عليها من البحر والبر «بن ذبحرم ويبسم»، وامتدت رقعة الهجوم من مدينة «نعض» إلى مدينة «ظفار». ويظهر أن «بيجت ولد النجاشي» كان قد تلقى الإمدادات من إفريقيا، فصار يهاجم بها السواحل، ويعبئ بها سفنه لمهاجمة الأماكن البعيدة عن منطقة احتلاله. ولم يتحدث النص عن مصيره بعد هزيمة جيشه من ظفار ومن أرض «معافر». والظاهر أنه بقي في أرض «المعاهر» «معهرت» «معهرة»، وأن السبئيين لم يزيحوا الحبش عنها، فبقوا معسكرين ومتحصنين في هذه الأرض وفي الحصن .
مطاردات فلول الغزاة (معارك سهرة والأشاعر):
تعود فترة المعارك التي خاضها اليمنيون في عهد الملك شاعر أوتر إلى القرن الثاني الميلادي فيما يرى آخرون أنها كانت في القرن الثالث الميلادي .
ومن أهم المعارك أو المواجهات التي شهدتها تلك الفترة مواجهات في الأشاعر والتي جاءت بعد أن حققت الجيوش اليمنية بعض الإنجازات في سبيل تحرير كافة الأراضي التي تقدم إليها العدو من معسكراته في الساحل الغربي ولهذا جرت عمليات عسكرية واسعة لمطاردة الأحباش بقيادة (أبوكرب أحرس) الذي تولى مهمة توزيع الحميريين المشاركين في جيش الملك شاعر أوتر وقد دارت المعارك في الأشاعر وسهرة وبدأت بهجوم على قبيلة الأشاعر ثم على عشيرة بحر من قبيلة ربيعة ، وتظهر النقوش أن أعداداً كبيرة من الحميريين انضموا إلى المقاومة وشاركوا في الدفاع والتصدي والعمليات الهجومية، ومن واقع تلك النقوش نجد أن الأحباش كانوا يحاولون الوصول إلى العاصمة ظفار وكانوا يستهدفون المراكز والتجمعات كالقرى والمدن وفي ذروة تقدمهم وصلوا إلى ذمار والبيضاء قبل أن يتقهقروا إلى تهامة وتحديداً إلى موزع والتي أصبحت مع مناطق ساحلية أخرى منطلقاً للهجوم على الداخل اليمني.
مشاركة الحميريين في المعارك ضد الأحباش :
يشير المؤرخ جواد علي إلى النقش المسندي (جام 633) لصاحبه أبكرب أحرس المشار إليه سابقاً كأحد قادة جيش الملك شاعرم أوتر وهو من بني «عبلم» و«يحمذيل» «يحمد آل» «يحمد إيل» كان قد تولى أمر الحميريين المستقرين الذين صاروا بين جيشين وأنه قام بواجبه، غير أنه أصيب بمرض صار يعاوده، وأنه لما عاد من «لحج» قدم تمثالاً إلى الإله «المقه ثهوان» وضعه في معبده: «معبد أوام»؛ وذلك ليحفظه من كل سوء، لأنه ساعده على تحمل مرضه، وأعاده إلى دياره من «لحج»، وقد قدم نذره هذا في شهر «دنم» من سنة «أبكرب بن معد كرب» «أبي كرب بن معد يكرب بن فضحسم» وليس في هذا النص شيء عن هوية الجيشين، ويرى بعض الباحثين أن المراد بذلك أن الحميريين المذكورين كانوا في ذلك العهد قد صاروا بين فرقتين من فرق الجيش، جيش «شعر أوتر»: فرقة مؤلفة من محاربين سبئيين، وفرقة مؤلفة من محاربين حميريين، وأن الحكومة عيّنت صاحب النص على الأهلين الحميريين الذين صاروا بين الجيشين، ليضمن تعاونهم وتآزرهم مع الجيشين، وييسّر لهم الطعام والماء. ولم يشر النص إلى قتال أو حرب يومئذ، ولكن يظهر أن وجود الفرقتين هناك كان بسبب وجود حالة غير طبيعية، ولعلها حالة الحرب ويتطرق نقش آخر (جام 635) إلى تمردات قبيلة ضد الملك شعر أوتر ويذكر فيه القائد أن في جملة الحروب والمعارك التي خاضها في سبيل سيده الملك، حروباً خاضها مع «أشعرن» «أشعران» و«بحرم» ومن انضم إليهما من ناس، وحروباً خاضها في منطقة خلف مدينة «نجران» «نجرن»؛ لمحاربة مقاتلي الحبش «حبشن» ومن كان يؤازرهم ويساعدهم. ويظهر من هذا النص أن نجران كانت في أيدي الحبش في هذا الزمن.
وكانت منازل «الأشاعرة» «الأشاعر» «الأشعر» «الأشعريون» في القديم منتشرة على الساحل الغربي من «جيزان» إلى «باب المندب». أما في أيام «الهمداني»؛ فقد كانت في أرض «معافر» المعافريين .
معارك نجران وقرية ذات كهل :
تظهر النقوش أن عمليات عسكرية واسعة للجيش والمقاومة استهدفت المناطق الشمالية لتطهيرها من الأحباش الذين توغلوا إليها وكانت تلك العمليات أو الحملات تهاجم أتباع الأحباش من اليمنيين بمعنى كل من سهل للغازي أو ساعده أو تعاون معه أصبح ضمن دائرة المستهدفين من قبل جيش الملك شاعر أوتر ، وعلى ما يبدو من واقع النصوص القديمة أن هناك تحولاً كبيراً في مسار المواجهات مع الأحباش فقد باتت قوات الملك شاعر تبادر إلى شن العمليات الهجومية ضد الأحباش وأعوانهم وامتدت تلك العمليات من المناطق الوسطى والغربية إلى الشمالية وتحديداً إلى نجران التي كانت أحد أهم معاقل الغزاة في تلك الفترة إضافة إلى مناطق ما بعد نجران . من جهة الحجاز وكانت قد أبدت تعاوناً مع الأحباش أو وصلت إليها القوات الغازية فيما يفسر البعض وصول المعارك إلى قرية ذات كهل (قريتم ذات كهلم) كان بهدف فرض الحصار على نجران من جميع الاتجاهات وخشية أن لا تصل إليهم إمدادات من الجهة الشمالية تحديداً فيما يرى آخرون أن الجيش بعد أن حقق انتصارا ساحقاً في نجران طوّر من هجومه واتجه إلى الشمال وتحديداً إلى وادي الدواسر وقد دارت هناك معركة ضارية مع حاكم المنطقة (بعل) وبعد الانتصار عليه توجه الجيش إلى ربيعه ذي ثورة ملك كندة وكان الهدف إخضاع كافة تلك المناطق للملك شاعر أوتر وتأكيد عدم التعاون مع الغزاة الأحباش ، وقد دارت الحرب شمال غربي نجران وشمال عسير .
ومن المثير أن يرد في نقش جام 635 اسم عشيرة تدعى يمحابر وكانت ضمن الأهداف العسكرية للحملة التي شنها القائد أبوكرب فهذه العشيرة أو هؤلاء المقاتلون الذين أنشأوا الفتنة مع اليونانيين (الرومان) وقد شن عليهم الحرب في أكناف أرض الأسد .
وأما المؤرخ جواد علي فيقول إنه ومن خلال دراسة هذا النص إن الملك شعر أوتر كان قد هاجم أولاً أرض «أشعرن» «أشعران»، ثم هاجم «بحرم»، وكان القائد صاحب النص يحارب معه. وبعد أن انتهى من قتالهما انتقل بجيشه للقتال في منطقة «نجران» حيث كان الأحباش قد تجمعوا فيها، فقاتلهم وقاتل من كان معهم. ثم نقل القتال إلى الغرب إلى «قريتم» «قرية» وهي «لبني كاهل» «كهل»، «قريتم ذت كهلم». فتحارب جيش «شعر أوتر» مع سيد المدينة «بعل هجرن»، أي: مع صاحب مدينة «قرية»، وتغلب عليه، وحصل على غنائم كثيرة منها. ثم حارب «ربيعة» ثور ملك «كدت» «كدة» كندة وقحطان «بعلى ربعت ذا الثورم ملك كدت وقحطن»1.
ويظهر من هذا النص أن «ربيعة» «ربعت» كانت من القبائل المعروفة يومئذ، وكانت تابعة لحكم «ثور»، «ملك كندة وقحطان». وقد انتصر على جميع من حاربهم من أهل «قربتم» ومن أتباع الملك «ربيعة» ملك كندة وقحطان، واستولى على غنائم كثيرة، في جملتها خيول وأموال طائلة، كما أخذ عدداً من الأسرى.
وقد كلف الملك «شعر أوتر»، صاحب النص بعد المعارك المذكورة أن يتولى قيادة بعض «خولان حضلم» «خولان حضل»، وبعض أهل نجران وبعض الأعراب؛ لحرب المنشقين من بني «يونم» «يوان» ومن أهل «قريتم» وقد حاربهم «أبكرب أحرس» «أبو كرب أحرس» عند حدود «بكنف أرض الأسد مجزت مونهن ذ ثمل» أرض «الأسد مجزتمونهان» الذي هو صاحب «ثمل» «ثمال». ثم عاد مع جيشه كله سالماً غير مصابين بأذى.

 

قد يعجبك ايضا